عبد الرزاق اللاهيجي
15
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
هناك شيء واحد يسند إليه جميع هذه الحالات ، فيقول : أنا الذي كنت طفلا ثم صرت صبيا ، فشابا ، فكهلا ، وكل إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغيّر الأحوال وتصرّم الأزمنة ؛ فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمرا ماديا ، مشمولا لسنّة التغيّر ، والتبدّل ، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد ، حتى يقول : أنا الذي كتبت هذا الخط يوم كنت صبيا أو شابّا ، فلو لا وجود شيء ثابت ومستمر إلى زمان النطق ، للزم كذب القضية ، وعدم صحّتها ، لأنّ الشخص الذي كان في أيام الصبا ، قد بطل - على هذا الفرض - وحدث شخص آخر . لقد أثبت العلم أنّ التغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادية ، فلا تنفك الخلايا التي يتكوّن منها الجسم البشري ، عن التغيّر والتبدّل ، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر ، ولا يمضي على الجسم زمن إلّا وقد احتلّت الخلايا الجديدة مكان القديمة . وقد حسب العلماء معدّل هذا التجدّد ، فظهر لهم أنّ التبدّل يحدث بصورة شاملة في البدن ، مرة كل عشر سنين . وعلى هذا ، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة ، ولكن الإنسان ، في الداخل ( أنا ) ، لا يتغيّر . ولو كانت حقيقة الإنسان هي نفس هذه الخلايا لوجب أن يكون الإحساس بحضور « أنا » في جميع الحالات أمرا باطلا ، وإحساسا خاطئا . وحاصل هذا البرهان عبارة عن كلمتين : وحدة الموضوع لجميع