عبد الرزاق اللاهيجي
16
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
المحمولات ، وثباته في دوّامة التحوّلات . وهذا على جانب النقيض من كونه ماديا . البرهان الثاني : علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه « 1 » إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء ، عن بدنه وأعضائه ، ولكن لا يغفل أبدا عن نفسه ، سليما كان أم سقيما ، وإذا أردت أن تجرب ذلك ، فاستمع إلى البيان التالي : إفرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء ، وأنت مستلق لا تبصر أطرافك ولا تتنبّه إلى شيء ، ولا تتلامس أعضاؤك ، لئلا تحسّ بها ، بل تكون منفرجة ، مرتخية في هواء طلق ، لا تحسّ فيه بكيفية غريبة من حرّ أو برد أو ما شابه ، ممّا هو خارج عن بدنك . فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة ، وقواك الداخلية ، فضلا عن الأشياء التي حولك ، إلّا عن ذاتك ، فلو كانت الروح نفس بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك ، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها ، والتجربة أثبتت خلافه . وبكلمة مختصرة : « المغفول عنه ، غير اللامغفول عنه » . وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها .
--> ( 1 ) . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات : 2 / 92 . والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص 282 و 464 .