الجصاص
55
الفصول في الأصول
فإن قال قائل : قد يرى ( 1 ) الرجل يمر بباب دار الرجل فيرى جنازة منصوبة ومغسلا موضوعا ، ويسمع صراخا في الدار ، فيسأل عجوزا خرجت من الدار عن ذلك ، فتقول مات فلان ، فلا يرتاب السامع بخبرها ، ولا يشك في قولها . وكذلك لو دخل رجل مجلسا حافلا ورأى رجلا في الصدر عليه قلنسوة طويلة ، فيسأل رجلا من الحاضرين عن الجالس في الصدر فيقول : فلان القاضي ، فلا يرتاب السامع بخبره ، ولا يشك في قوله ، فعلمنا أن خبر هؤلاء أوجب العلم الضروري بصحة مخبرهم . قيل له : ليس هذا كما ظننت ، وذلك لأنك لم تفرق بين سكون النفس إلى الشئ من غير علم به ولا يقين العلم ، وقد تسكن نفس الإنسان إلى الأشياء ثم يتعقبها ، فيجدها بخلاف ما اعتقد فيها . ألا ترى أن أكثر المبطلين والمقلدين نفوسهم ساكنة إلى اعتقاداتهم ، وليسوا على علم ولا يقين ، بل على جهل وكفر ، ثم إذا تعقبوا اعتقاداتهم ، ونظروا فيها من وجه النظر ، ونبههم عليه منبه ، علموا فساد ما هم عليه ، وقد يسهو الرجل فيصلى الظهر ثلاثا ويسلم ، ولا يشك أنه قد صلاها أربعا . فإن قال له قائل : إنما صليت ثلاثا ، شك فيما كانت نفسه ساكنة إليه ، ( 2 ) فلا اعتبار إذا بسكون النفس إلى الشئ ، ولا يجوز أن تجعل علما لليقين . ( 3 ) وعلى أنا قد نرى كثيرا من الناس يتعمدون ( 4 ) ( 5 ) هذه الأسباب التي ذكرت أنها إذا قاربت الخبر أو أوجبت علم الاضطرار بمخبره ويكون لهم فيها أغراض مقصودة من خوف من سلطان أو مجون وخلاعة . وقد بلغنا : أن أبا العير في أيام المتوكل ( 6 ) قد كان يتعمد ( 7 ) بكثير من هذه الأمور على