الجصاص
56
الفصول في الأصول
وجه المجون والخلاعة . ألا ترى أن إنسانا لو قال لهذا السائل ( عن ) ( 1 ) العجوز الخارجة من الدار : إن هذه العجوز قد غلطت أو كذبت ، وإنما ظنوا أن الرجل قد مات فاحضروا الجنازة والمغتسل ، ثم تبينوه حيا ، أو قال هو ميؤوس منه ، ولم يمت ، لشك السائل في خبرها ، ولو كان الأول يقينا وعلما ضروريا لما جاز أن يتعقبه بضده ، ولما جاز أن يوجد ( 2 ) أمره على خلاف ما اعتقده . فإن قال : لم كانت الجماعة إذا أخبرت بشئ شاهدته وعلمته ضرورة إنما يقع العلم لسامعه عند قول الواحد دون جماعتهم ، فما أنكرت أن يكون ذلك الواحد منهم متى أخبر أوجب العلم بقوله . قيل له : إن الجماعة إذا أخبرت فليست تخلو من أن يقع للسامع بقولها علم الاضطرار بصحة مخبرها ، أو علم اكتساب ، فإن أوجب خبرها علما مكتسبا فليس هذا العلم جاريا بقول الواحد منهم دون الجماعة . وقول القائل في هذا القسم : إن العلم حادث من قول الواحد خطأ ، لأن السامع إنما استدل بخبر الجماعة على صحة الخبر ، فاستحال أن يكون العلم جاريا بقول الواحد ، وأن خبر الواحد أوجب علم الاضطرار ، فإن كانوا يخبرون بذلك مجتمعين وكانوا ممن لا يجوز عليهم التواطؤ ، فالعلم حادث أيضا عند قول جماعتهم ، دون الواحد منهم ، إذا كانوا قد علموا ما أخبروا به ضرورة ، وإن كانوا أخبروا به متفرقين ، فإن أحدث الله به العلم عند قول أحدهم ، فغير جائز أن يقال على هذا : جوزوا إحداث الله له العلم بقول الواحد ، إذا انفرد بخبره دون الجماعة التي تقدمته في الأخبار عنه ، من قبل أن الله تعالى إنما أجرى العادة بإحداث العلم عند خبر هذا الواحد إذا تقدمته جماعة تخبر بمثل خبره ، ولم تجر العادة باحداث العلم بقول الواحد . ألا ترى أن مثل هذه الجماعة متى وجدت على هذا الوصف أوجب خبرها العلم بصحة ما أخبرت به ، وأن الواحد المنفرد لم تجر العادة بحدوث العلم بخبره . وأيضا : فإن خبر الواحد ( لو ) ( 3 ) كان يوجب علم الضرورة عند مقارنة الأسباب ، لجاز أن تخبر الجماعة العظيمة بخبر ، فلا يقع العلم بخبرهم ، إذا لم يقارن خبرهم أسباب