الجصاص

54

الفصول في الأصول

له علم الاضطرار بذلك علم صدقهم ، وإن لم يقع له ذلك حكم بكذبهم ، عدولا كانوا أو غير عدول . فإن قال قائل : إنما يقع العلم لخبر بعض الناس دون بعض ، وليس يمتنع ، لأنه إذا كان الله تعالى هو المتولي لإحداث العلم عند خبر هذا السامع ، ( 1 ) فليس يمتنع أن يفعله في حال دون حال . قيل له : قولك إن الله تعالى هو المتولي لإحداث العلم للسامع عند هذا الخبر : هو نفس المسألة ، وهو موضع الخلاف ، لأنا نقول ليس أحد من المخبرين يحدث الله عند خبره للسامع علما ، فاقتصارك به على بعض الناس دون بعض لا معنى له ، وعلى أن ما ألزمناه قائم عليه ، لأن كل سامع فإنما يكون محجوجا بما أحدث الله تعالى له من العلم عند الخبر ، وإن لم يحدث له علم لم يجب عليه الحكم بصحة الخبر ، وإن أحدثه حكم بصحته ، فلا معنى إذا للكلام في تبيينه في نظر وحجاج ، وإنما يجب على كل إنسان أن يحكم بما يضطر إلى علمه دون غيره ، وعلى هذا الخبر لا ينبغي أن يختلف أن يكون المخبر قد علم ما أخبر به عنه ضرورة أو لا يعلمه ، لأن العلم بصحة مخبره موقوف على ما يحدثه الله تعالى فيه ، وعلى أن الله تعالى قد أمرنا لنتثبت في سائر الشهادات ، وأن لا نقطع بصحتها ( 2 ) ولو كان خبر الشهود يوجب علم الاضطرار بحال ، لما جاز أن نكون مأمورين في تلك الحال ، بأن لا نقطع بصحة ما علمناه ضرورة . فإن قال قائل : إن خبر الواحد إنما يوجب علم الاضطرار إذا صحبه أسباب ، وأخبر به عن مشاهدة . قيل له : ليس من الأسباب التي تقارن الخبر شئ آكد ولا أثبت من الأسباب التي ( قارنت أخبار ) ( 3 ) النبي عليه السلام ، الموجبة لتصديقه ، ثم لم نعلم صحة خبر الاستدلال ، إذا أخبر عن مشاهدة جبريل عليهما السلام ، وخطابه إياه ، وأنه أسرى به إلى بيت المقدس ، وإلى السماء ، ولو كان في الدنيا خبر واحد يوجب علم الضرورة لكان خبر النبي عليه السلام أولى الأخبار بذلك . فلما عدمنا ذلك في أخبار النبي عليه السلام ، علمنا بطلان قول هذا القائل .