الجصاص
39
الفصول في الأصول
أرادوا مصر ، لما غلب في ظنونهم وسكنت إليه نفوسهم ، وليس ذلك بحقيقة علم ، إذ قد يغلب في علم الإنسان مالا يكون له حقيقة ، وتسكن نفسه إلى مالا يرجع منه إلى يقين . قيل : إن ما وصفت أنه غلبة ظن ، وسكون نفس ، علم بصحة مخبر هذه الأخبار ، وإنما توهمتم ( 1 ) أن علمكم هذا . فإن قال : لو كان العلم بصحة ما ذكرتم اضطرارا ، لما جاز أن يدفع ، ونحن جماعة كثيرة أن نكون عالمين بصحة ما ذكرتم . قيل له : لم تدفعوا أنتم كون هذه البلدان ، ولا وجود السماء ، قبل مولدكم ، ولا وجود أجدادكم ، وإنما أنكرتم أن تكونوا عالمين به حين توهمتم : أن علمكم هذا ظن وحسبان ، كظن من أنكر حقائق الأشياء والأصل وقوع العلم بخبر التواتر . إن الله تعالى لما أراد عباده وترغيبهم فيما فيه نجاتهم ، وتعبدهم بما فيه مصالح دينهم ودنياهم ، على سنة رسله عليهم السلام ، بعدما قرر في عقولهم وجوب اجتناب المقبحات فيها ، وفعل ما يقتضي فعله من موجبات أحكامها ، ولم يكن في وسع الرسل صلوات الله عليهم إبلاغ كل أحد في نفسه ، ومشافهته بما تعبده به من أول الأمة وآخرها ، خالف بين طبائع الناس ، وهممهم وأغراضهم ، ليجمعهم بذلك على مصالحهم ، في دينهم ودنياهم ، ولئلا يقع منهم اتفاق ، ومن غير تشاعر ولا تواطؤ على اختراع خبر لا أصل له ، وأجري بذلك عادة تقررت في نفوس الناس ، كما أجرى العادة بامتناع وقوع الخبر على مخبرات كثيرة من إنسان واحد ، على جهة التظني والحسبان ، فصادف ذلك وجود مخبره في جميع ما أخبر به ، وإن كان قد تيقن بذلك في الواحد ، ثم وفق بين طبائعهم في استنقال كتمان ما يشاهدون من الأشياء العجيبة ، والأمور العظام ، ( 2 ) وحبب إليهم نقلها وإذاعتها ، لتتم الحجة في نقل الشرائع ، وما بهم إليه الحاجة في مصالح دينهم ودنياهم ، فكل خبر ورد بالوصف الذي ذكرنا ونقله قوم مختلفو ( 3 ) الآراء ، والهمم ، غير متشاعرين ، لا يجوز على مثلهم التواطؤ أولهم كآخرهم ، ووسطهم كطرفهم ، فأخبروا عمن شاهدوه وعرفوه