الجصاص
40
الفصول في الأصول
اضطرارا بأنه يوجب العلم بمخبره ، لامتناع وجود اجتماع الكذب منهم في شئ واحد عن مخبر واحد ، وذلك لأن نقل الأخبار من ناقليها إنما يكون حسب الأسباب الداعية إليه ، والعلل المثيرة لنقلها . ألا ترى أنهم ينقلون ما ليس له سبب داع إلى نقله ، من نحو مخبر إنه رأى ناسا يمشون في الأسواق ، وآخرين يتبايعون فيها ، وما جرى مجرى ذلك ، لأنه ليس هناك سبب يدعو إلى نقل مثله . وكذلك اختراع الأخبار التي لا أصل لها ، وإنما تتفق على حسب الأسباب الداعية إليه . ومعلوم الاختلاف ( في ) ( 1 ) دواعي الناس وأسبابهم . فغير ( 2 ) جائز منهم وقوع اختراع خبر لا أصل له من غير تواطؤ . ألا ترى : أنه يمتنع في العادة أن يخطر ببال كل واحد من الناس في وقت واحد : أن يبتدئ اختراع الكذب في شئ واحد ، حتى يخبر كل واحد منهم : أن القمر انشق ليلة البدر وصار قطعتين ، وبقيتا طول الليل كذلك حتى غابتا . فكذلك يمتنع اختراع خبر لا أصل له في الجمع الكثير ، إلا عن تواطؤ . وليس الكذب في هذا كالصدق ، فيجوز اتفاقهم على نقل خبر أمر قد شاهدوه ، وإن كانوا مختلفي الهمم والأسباب غير متشاعرين ، وذلك لأن الأخبار بالصدق داعي تجمع هذه الجماعات على نقله والإخبار به ، وهو مشاهدة ما أخبروا عنه ، وما جعل في طباعهم من استنقال كتمان الأمور ( 3 ) العظام والأشياء العجيبة . فلما كانت هناك دواعي تدعوا إلى نقله ، وسبب يجمعهم إلى العلم به ، وكان كتمان مثله مستنقلا في طباعهم سواء كان عليهم في إشاعته ونقله ضرر ، أو لم يكن ، صارت هذه الدواعي سببا لنقله والإشادة بذكره ، لتبلغ الحجة بالإخبار مبلغها ، وتنتهي منتهاها .