الجصاص

386

الفصول في الأصول

لأنه حكم بأنه لا دليل عليه ( في نفيه ) ( 1 ) لما نفاه ، ولا دليل على خصمه أيضا في نفى ( 2 ) صحة قوله ، وهذا غاية التناقض والفساد . ويقال لقائل هذا القول : إذا نفيت حكما خولفت في نفيه ، وزعمت أنه لا دليل عليك فهل علمت صحة ما نفيته ؟ فإن قال : قد علمت ( أن ) ( 3 ) ما نفيته فهو منتف على الحقيقة . قيل له : بم علمته وخصمك بإزائك يخالفك فيه ، ومن ادعى علم شئ فلا بد له من برهان . فإن قال : لا أعلمه حقا . قيل له : فلم اعتقدته منفيا بغير دلالة ، وأنت لا تدري أحق هو أم باطل ، وقد نهاك الله تعالى عن ذلك بقوله : ( وأن ( 4 ) تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( 5 ) فإن جاز لك أن تعتقد صحة ما لا تعلمه حقا وصوابا إذا كنت نافيا ، ولا تلزم نفسك إقامة الدليل عليه ، فلم لا يجوز أن تثبت ما لا تعلمه ثابتا بغير دليل ؟ ولو كان ما قالته هذه الطائفة حقا ، كان لا دليل على من نفى حدث العالم ، ونفى إثبات الصانع ، ولجاز له القول في نفى ذلك ، وترك النظر في إثبات ذلك أو نفيه ، وهذا لا يقوله مسلم . وأما من قال : إن من نفى ما طريقه العقل فعليه إقامة دلالة ، وليس كذلك ما طريقه السمع . فإنه يحتج فيه : بأن في الفعل ( 6 ) دلالة على إثبات المثبت ، ونفى المنتفي بما طريق إثباته أو نفيه العقل . فلم يختلف فيه حكم النفي والإثبات . وأما السمعيات فطريقها السمع ، ولا مدخل للعقل في إثباته ، فمن لم يثبت عنده منها