الجصاص

387

الفصول في الأصول

شئ من جهة السمع ، جاز له أن يقول : لم يبن لي أن ذلك ثابت ، ومن ادعى إثباته فعليه أن يبين ، وإلا فالأصل أنه غير مثبت . فيقال للقائل بهذا القول : إنك وإن كنت نافيا للحكم الذي نازعك فيه خصمك ، فإنك مثبت لصحة اعتقادك بأن لا دليل عليك ، وإن نفى هذا الحكم واجب . وهذا شئ طريقه السمع ، فلم ثبت اعتقادك كذلك بغير دلالة وناقضت في قولك : أن النافي لا دليل عليه ، وأن الدليل على المثبت . ثم يقال له : إن طريق أحكام الشرع ، وإن كان أصولها السمع - فإن الله تعالى قد نصب في أصولها دلائل على فروعها في النفي والإثبات ، فقد جرت مجرى العقليات في وجوب دلائلها على المنفي والمثبت منها ، فهلا أوجبت إقامة ( 1 ) الدلالة على نفي ما نفيت كما أوجبتها على إثبات ما أثبت ؟ . وأيضا : فإنك قد استدللت على النفي بما ذكرته : من أن أصله النفي حتى يزول عنه السمع ، وذلك ضرب من الاستدلال على النفي ، وهو من أحكام الشرع ، فقد ناقضت في قولك : إن النافي في هذا الباب لا دليل عليه . ويقال : هل علمت : أن ما نفيت من ذلك لا دليل على إثباته ؟ فإن قال : نعم . قيل له من أين علمته ؟ فإن قال علمته بدلالة . قيل له : فأنت إنما نفيته بدلالة ، فأظهر ( 2 ) ذلك الدليل . وقد تركت مع ذلك أصلك لإقرارك بأن على النفي دليلا . فإن قال : لست أعلم أنه ليس عليه دليل . قيل له : فنفيته بجهل من غير علم منك بنفي الدلالة ، فهلا أثبته مع الجهل بدلالته ؟ وكيف صار النفي في هذا الوجه أولى من الإثبات ! وقد ذم الله تعالى من هذه طريقته في نفي الشئ بغير دلالة . فقال تعالى : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) ( 3 ) فعنفهم