الجصاص

288

الفصول في الأصول

الصلاة أم نسيت ) حتى سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال : أحقا ما يقول ذو اليدين ؟ فقالا : نعم . فحينئذ أتم الصلاة . ) وكان أبو الحسن بقول : إن ترك النكير لا يدل على الوفاق ( فيما كان طريقه اجتهاد الرأي ، لأن ما كان طريقه الاجتهاد ) ( 1 ) فغير جائز لأحد إظهار النكير على من قال بخلاف قوله ، فليس إذن في سكوت القوم وتركهم النكير على القائلين في الحادثة دلالة على الموافقة . قال أبو بكر : ولسنا نقول : إن ترك النكير على الانفراد يدل على الموافقة ، لأن ترك النكير قد يجوز أن يجامعه إظهار الخلاف ، وعامة مسائل الاجتهاد هذا سبيلها ، وإنما نقول : إن تركهم لإظهار المخالفة مع انتشار القول واستمرار الأيام قد يدل على الوفاق . فأما قصة ذي اليدين : فإن القوم وإن تركوا مخالفته ولم يظهروا النكير عليه ، فغير جائز عندنا أن يستدل به في الموضع الذي نحن فيه من الكلام على الإجماع ، ولعل عيسى إنما أراد : أن ترك النكير على الوجه الذي كانت عليه قصة ذي اليدين لا يدل على الموافقة ، وإنما قلنا : إن قصة ذي اليدين لا تعترض على ما قلنا في الإجماع ، من قبل : أن ذا اليدين لما قال هذا القول ، قال النبي صلى الله عليه وسلم عقيبة قبل أن يظهر من القول خلاف عليه أو وفاق له : ( أحق ما يقول ذو اليدين ) ، لأن الكلام كان مباحا في الصلاة حينئذ ، فلم يكن هناك شئ يمنع من الاستفهام ، وقد كان له صلى الله عليه وسلم أن يعتبر حال القوم ، هل هم تاركون للنكير عليه أم لا ؟ فيستدل بتركهم الخلاف عليه ، على صحة خبره ، ولكنه اختار الاستفهام بالقول ، وقد قلنا قبل ذلك : إن ترك إظهار الخلاف إنما يكون دلالة على الموافقة إذا انتشر القول ، وظهر ، ومرت عليه أوقات يعلم في مجرى العادة بأنه لو كان هناك مخالف لأظهر الخلاف ، ولم ينكر على غيره مقالته . ( 2 ) إذ كان قد استوعب مدة ( 3 ) النظر والفكر . وأما ما حكيناه عن أبي الحسن : من أنه غير جائز له الإنكار فيما طريقه الاجتهاد فهو صحيح . ولم نجعل نحن ترك النكير حجة في الإجماع دون ترك إظهار الخلاف ، بعد ما مضى