الجصاص
289
الفصول في الأصول
وقت ظهور القول وانتشاره مدة لو كان هناك قائل بخلافه لكان قد استوفى مدة نظره واستقر ( 1 ) رأيه على قول يقول به إن كان مخالفا له ، فإذا لم يظهر منه ذلك علمنا : أنه موافق له . ومن الدليل على صحة ما ذكرناه من اعتبار ترك إظهار الخلاف في القول الذي قد استفاض وظهر من بعض الأمة : أنه معلوم في مجرى العادة وما عليه طبائع الناس إذا تشاوروا في أمر من الأمور فقال في أعلامهم وأولو الألباب منهم قولا وسكت الباقون ، أن ذلك ( 2 ) رضا ( 3 ) منهم بذلك القول ، وموافقة للقائلين به ( وأنه ) ( 4 ) لو كان هناك مخالف لهم لأظهر الخلاف إذا كان ذلك ( أمرا ) ( 5 ) يهمهم ويتعلق بشئ من مصالحهم في دنياهم ، فما كان منهم ( 6 ) دينا تضيفه جماعة منهم إلى الحق وأنه حكم الله تعالى الذي أداهم إليه اجتهادهم فهو أولى ن ، بأن يكون تركهم إظهار الخلاف فيه دلالة على الموافقة . وأيضا فإنهم مع اختلاف أحوالهم وتفاوت ( 7 ) طبائعهم ومقاصدهم ، لا يجوز أن تتوانى ( 8 ) همتهم ( 9 ) على ترك إظهار خلاف هم له مضمرون ، كما أن قائلا لو قال : يوم الجمعة أن الإما لما صعد المنبر رماه ( إنسان ) ( 10 ) بسهم فقتله ، لم يجز أن يحضر جماعة ممن شهد الجامع ولم يسمعوا بذلك أن يتركوا إظهار ( 11 ) النكير عليه ، ولا يجوز أن تتفق هممهم على السكوت مع اختلاف أحوالهم . وأيضا : فإنه معلوم : أن السلف قد كانوا يعتقدون : أن إجماعهم حجة على من بعدهم ، فغير جائز إذا كان هذا هكذا أن يكون هناك مخالف لهم مع انتشار قولهم ، فيضمر خلافهم ويسره ، ولا يظهره ، حتى يتبين للناس : أنه ليس هناك إجماع تلزم حجته من