الجصاص
261
الفصول في الأصول
فإن قيل : قوله تعالى ( 1 ) ( لتكونوا شهداء على الناس ) ( 2 ) كقوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 3 ) وفيهم من عبد ، وفيهم من لم يعبد . وكذلك جائز من الأمة تضييع الشهادة ، كما جاز من بعض من خلق للعبادة تركها . قيل له : لو جاز أن يقال هذا في الأمة - لجاز في الرسول عليه السلام مثله ، فلما كان وصفه للرسول عليه السلام بذلك قد اقتضى قبول شهادته ، ولزوم قوله ، كانت الأمة مثله ، ولما لم يجز أن يقال ذلك في الرسول - لم يجز في الأمة مثله ، وفارق العبادة ما ذكرت من الوصف بالشهادة . وأيضا : فإنه ( لما ) ( 5 ) وصف الأمة بالعدالة بقوله تعالى ( جعلناكم أمة وسطا ) فجعلهم شهداء بعد ( وصفه إياهم ) ( 6 ) بالعدالة . فقد أفاد هذا الوصف لهم قبول الشهادة ، لأنه حكم لهم بذلك ، وليس يجوز أن يحكم لهم بالعدالة وقبول الشهادة وهم غير مستحقين لذلك ، وهو كقوله تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) ( 7 ) يعني : أنهم كذلك ، وهذه صفتهم ، وليس كذلك قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 8 ) لأنه إخبار عن إرادته خلقهم لعبادته ، لا على وجه وقوع الحكم لهم بالعبادة . وأيضا : فإنه عز وجل لم يستشهدهم ( على الناس ) ( 9 ) إلا وقولهم مقبول ، وشهادتهم جائزة ، لأنه لا يجوز أن يستشهد من لا تجوز شهادته ، لأنه عبث ، والله يتعالى عنه . وأما قوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) فإنه إخبار أنه كان مريدا لخلقه إياهم أن يعبدوه ، ليستحقوا بها الثواب الجزيل ، وقد وجد ذلك منه ، وإن تركوها هم .