الجصاص
262
الفصول في الأصول
وأيضا : لما خلق الجن والإنس لعبادته لم يخل من أن يكون فيهم من عبد . ووزان هذا من أمر الأمة ( أن يكون ) ( 1 ) فيهم عدول تجوز شهادتهم . دليل آخر : وهو قوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ، غير سبيل المؤمنين ) . ( 2 ) الآية فقد أوجب به اتباع سبيل المؤمنين ، وحظر مخالفتهم ، فدل على صحة إجماعهم ، لأنهم لا يخلون من أن يكون فيهم مؤمنون ، لقوله تعالى : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) ( وفي هذا ) ( 3 ) ( 4 ) ولو جاز عليهم الخطأ لكان المأمور باتباعهم مأمورا باتباع الخطأ ، وما أمر الله باتباعه لا يكون إلا حقا وصوابا ، ثم أكد بإلحاقه بتارك ( 5 ) اتباعهم . فإن قيل : إنما الحق الذم بتارك سبيل المؤمنين إذا شاق الرسول مع ذلك ( لأنه تعالى قال ) ( 6 ) ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ) فاستحق الذم بالأمرين ( 7 ) فما الدليل على أنه يستحقه بترك اتباع سبيل المؤمنين وحده ، دون مشاقة الرسول ؟ . قيل له : لولا أن ترك اتباع سبيل المؤمنين فعل مذموم - لما قرنه إلى مشاقة الرسول ، فلما قرنه إلى مشاقة الرسول وألحق الذم بفاعله - دل على صحة ما ذكرنا من وجهين : أحدهما : أنه لولا أنه فعل مذموم على الانفراد لما جمعه إلى مشاقة الرسول عليه السلام . والثاني : أنه ذمه على الفعلين جميعا ، ولولا ( 8 ) أن ترك اتباع سبيل المؤمنين معنى يستحق عليه الذم لما استحق الذم ( 9 ) إذا شاق الرسول معه . ألا ترى أن قوله تعالى