الجصاص
260
الفصول في الأصول
قيل له : لا يجب ذلك ، لأن الله تعالى لم ينص لنا على ( وجوب ) ( 1 ) قبول شهادة شاهدين بأعيانهما ، ولم يحكم لهما بالعدالة ، وإنما أمرنا في الجملة بقبول شهادة عدول عندنا ، ومن في غالب ظننا أنهم عدول . والظن قد يخطئ ويصيب ، فلذلك لم يجز لنا القطع على غيبهما ، ولو كان الله تعالى شهد لشاهدين بأعيانهما بالعدالة وصحة الشهادة - لقطعنا على غيبهما ، وحكمنا بصدقهما ، وأما الأمة فقد حكم الله تعالى بالعدالة وصحة الشهادة على من بعدها ، على معنى : أنها تشتمل ( على ) ( 2 ) من هذه صفته ، فمتى وجدناها مجتمعة ( 3 ) على شئ حكمنا بأنه حكم الله تعالى ، لأن العدول الذين حكم الله بصحة شهادتهم قد قالت ذلك ، وقولها صدق . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون الله تعالى إنما جعل الأمة شهداء في الآخرة لا في الدنيا حتى يكونوا عدولا ، فيكونون عدولا في الآخرة ، ( 4 ) ولا دلالة في الآية على : أنهم عدول في الدنيا . قيل له : إن الله تعالى قد مدحهم وأثنى عليهم بذلك في الدنيا ، فلو لا أنهم مستحقون لهذه الصفة في الدنيا ما جاز أن يوصفوا بها في الآخرة ، لأن من لا يستحق في الدنيا صفة مدح وثواب ، فغير جايز أن يستحقها في الآخرة . وأيضا لما جعل للأمة في كونها شهداء على الناس كالنبي صلى الله عليه وسلم ( وكونه شهيدا عليهم ، ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم ) ( 5 ) مستحقا لقبول الشهادة في الدنيا . وجب أن يكون كذلك حكم الأمة فيما يستحقونه من هذه الصفة . ولو جاز أن يقال : إن الأمة شهداء في الآخرة ، وليست شهداء في الدنيا - لجاز أن يقال مثله في النبي عليه السلام ، إذ كان الله تعالى لم يفرق بين شهادتهما . وأيضا : فما لم يخصص وصفها ( 6 ) بذلك حالا دون حال اقتضى عموم الآية استحقاق هذه الصفة لها في سائر الأحوال .