الجصاص

259

الفصول في الأصول

وهو مشهور في العادة أيضا ، كقول القايل : بنو هاشم حكماء ، وأهل الكوفة فقهاء ، والعرب ( تقري الضيف ، وتحمي الديار ) ( 1 ) وتمنع الجار ، وما جرى مجرى ذلك . والمراد منهم : من هذه صفته ، فإذا ثبت بهذه الآية : أن جملة الأمة تشتمل على عدول شهداء على من بعدهم . إذ لم يجز أن يكون المراد أن جميعهم كذلك ، ثبت أن إجماعها حجة ، لا سيما وقد أخبر : أنهم شهداء على الناس ، ولا يجوز أن يجعلهم الله شهداء على من بعدهم ، ثم إذا شهدوا لم تصح شهادتهم ، وإذا قالوا لم يقبل قولهم ، كما أنه لما جعل الرسول شهيدا عليهم تضمن ذلك إخبارا لصحة عليهم ، ولزمهم ( 2 ) قبول قوله . فإن قال قائل : فإن الرسول عليه السلام لم يكن قوله شهادة صحيحة لازمة للأمة بنفس القول دون ظهور ( 3 ) المعجزات الدالة على صدقه على يده . وكذلك ( الأمة لا ينبغي أن يكون ) ( 4 ) قولها حجة وصدقا إلا بقيام الدلالة : أنها لا تقول إلا الحق ، من غير جهة وصفها بالشهادة . قيل له : الذي أقام الدلائل على صحة نبوة النبي عليه السلام ، وأيده بالمعجزات : هو الذي حكم للأمة بالعدالة وصحة الشهادة ، فلم تخل الأمة من أن يكون قولها قد صار حقا وصدقا ، بدليل غير قولها ، وهو ( 5 ) حكم الله لها بذلك ، وشهادته لها به ، ولو قد جاز على الأمة بأسرها الخروج عن صفة العدالة وصارت كفارا أو فساقا - لخرجت من أن تكون عدولا وشهداء على الناس ، وذلك بخلاف ما أخبر الله تعالى من حكمها وصفتها . فثبت أنها لا تخلو من أن يكون فيها عدول لا يقولون إلا حقا ، وإن لم يكونوا قوما نعرفهم بأعيانهم . فإن قال قائل : ليس في إيجاب قبول شهادتها دلالة على حقيقة صدقها ، لأن الشاهدين منا تقبل شهادتهما على ظاهر عدالتهما ، من غير أن نقطع على غيبهما بذلك ، وكذلك الأمة ليس في لزوم قبول شهادتها حكم بصدقها ، ولا القطع على غيبها .