الجصاص

258

الفصول في الأصول

يعني : هم عدول . فلما وصف الله تعالى الأمة بالعدالة اقتضى ذلك : قبول قولها ، وصحة مذهبها . والوجه الثاني : قوله تعالى : ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ، فجعلهم شهداء على من بعدهم ، كما جعل الرسول شهيدا عليهم ، ولا يستحقون هذه الصفة إلا وقولهم حجة ، وشهادتهم مقبولة ، كما أنه ( لما ) ( 1 ) وصف الرسول بأنه شهيد عليهم بقوله ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) أفاد به : أن قوله صلى الله عليه وسلم عليه حجة عليهم ، وشهادته صحيحة . ونظير هذا المعنى أيضا مذكور في قوله تعالى ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) ( 2 ) فثبت : أنها إذا قالت قولا في الشريعة لزم من بعدها ، ولم يجز لأحد مخالفتها . فإن قال قائل : فواجب ( على ) ( 3 ) هذا أن يحكم لجميع الأمة بالعدالة ، حتى لا يكون فيها من ليس بعدل ، بظاهر الآية ، وتجعل قول كل واحد منهم حجة . قيل له : لا يجب ذلك ، لأن الله تعالى لم يحكم لكل واحد من الأمة ( بالعدالة في عينه ) ( 4 ) وإنما حكم بها لجماعة الأمة ، وأفاد : أن جماعتها تشتمل على جماعة لا تقول إلا الحق ، فيكون ( قولهم ) ( 5 ) حجة على من بعدهم . ويجوز هذا الإطلاق ، وإن لم يرد وصف كل واحد منهم على حياله بالعدالة ، كقوله تعالى ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) ( 6 ) ومعناه : أن قوما منكم قالوه . وكما قال تعالى ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ) ( 7 ) ومعناه : أنه قتلها بعضكم ، وكذلك قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ( 8 ) معناه جعلنا منكم .