الجصاص

252

الفصول في الأصول

وأما من قال : إني لا أقول : إنها مباحة ، ولا محظورة ، لأن الإباحة تقتضي مبيحا ، والحظر يقتضي حاظرا ، فإنه إنما منع إطلاق لفظ الإباحة ( والحظر ) ( 1 ) ووافق في المعنى ، حين قال : لا تبعة على فاعلها ، لأن هذا هو صورة المباح ، إذا لم يستحق بفعله الثواب ، ويلزمه ( 2 ) أن يمتنع من أن يقول في شئ من الأشياء : إنه واجب ، قبل مجئ السمع ، من نحو الإيمان بالله ، وشكر المنعم ، ووجوب الإنصاف ، ( وأن لا يقول : إن الكفر بالله والظلم والكذب محظور ، قبل مجئ السمع ، لأن الوجوب يقتضي موجبا ، والحظر يقتضي حاظرا . فإن قال : الموجب لاعتقاد الإيمان ، والحاظر لاعتقاد الكفر : هو الله تعالى ، الذي أقام الدليل على ذلك . قيل له : فهلا قلت مثله في هذه الأشياء قبل مجئ السمع ؟ لأن المبيح هو الله عز وجل الذي خلقها ) ( 3 ) للانتفاع بها ، ثم لم يقم الدليل على حظرها . فإن قال : لو كان ما لا تبعة على فاعله مباحا ، لوجب أن تكون الأشياء مباحة للبهائم ، والمجانين ، والساهي . قيل له : لا يجب ذلك لأنا قد قلنا : إن حد المباح ما لا تبعة على فاعله من المكلفين ، ويكون فيما ذكرت ، لأنهم غير مكلفين ، والساهي فعله غير واقع عن قصده . قال أبو بكر : وجميع ما قدمناه إنما هو كلام في حكم هذه الأشياء في العقل قبل مجئ السمع ، ثم جاء السمع بتأكيد ما كان في العقل إباحته ، وهو : قوله تعالى ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) ( 4 ) وقال : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) ( 5 ) وقال تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ( 6 ) وقال تعالى : ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ) ( 7 ) وقال تعالى : ( والنخل