الجصاص

199

الفصول في الأصول

الله صلى الله عليه وسلم كذا ، أو قال هذي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن من الناس من يأبى أن يوجب بمثله حكما ، حتى يحكى لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه ، لأنه جائز أن يكون سمع لفظا يحتمل المعاني ، فتأوله على المعنى عنده ، ونحن فلا يلزمنا تأويله ، لا سيما وقد عرفنا من مذهب بعض علماء السلف نقل المعنى دون اللفظ . وقال آخرون : حكم ما هذا سبيله من الألفاظ ثابت فيما يتناوله من أمر ونهي ، وليس لأحد العدول عنه لأجل ما ذكر ، لأن الراوي إذا كان من أهل اللسان وممن يوثق بضبطه ومعرفته فهو يعرف ما يحتمل التأويل من الألفاظ ، مما لا يحتمله . فلو كان مصدر هذا القول عنده عن لفظ يحتمل التأويل لبين ( 1 ) حكاية اللفظ بعينه ، فلما اقتصر على إجمال ذكر الأمر والنهي علمنا : أن ذلك اللفظ عنده لم يغير ما حكيناه . ولو ساغ الاعتبار الذي ذكره قائل القول الأول - لوجب أن لا يحكم به إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كيت وكيت ) ، لأن من العلماء من يروي نقل المعنى دون اللفظ . منهم : الحسن ، والشعبي ، ( 2 ) وغيرهما . ومنهم : من يرى نقل اللفظ بعينه ، فيجوز على موضوع هذا القائل أن يقال : إن هذا إنما حكى معنى ما سمعه من النبي عليه السلام ، لا لفظه بعينه ، لأن عيسى بن أبان رحمه الله كان ممن يرى المعنى دون اللفظ ، فلما أبطل ( 3 ) ذلك . وكان قوله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كذا ، محمولا على حكاية لفظ وحقيقة معناه ، وجب أن يحمل قوله : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا : ونهانا عن كذا ، وسن لنا كذا ، على حقيقة الأمر والنهي ) كأنه قول من النبي عليه السلام بعينه . وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم تكتفي في رواية بعضهم لبعض سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحكامه ، وسماع بعضهم من بعض بسماع هذا اللفظ ، فيما يزيد معرفة من