الجصاص

192

الفصول في الأصول

منه وخطه ، يغلب معها في النفس أنه كتابه ، فإنه يسع المكتوب إليه الكتاب أن يقول : أخبرني فلان ، يعني الكتاب إليه ، ولا يقول حدثني . وقد قال أصحابنا فيمن قال : إن أخبرت فلانا بسر فلان فعبدي حر ، فكتب إليه ، ووصل إليه كتاباته . فقد أخبر ، وحنث في يمينه ، وقد أخبرنا الله تعالى عن القرون الماضية والأمم السالفة في كتابه . وجائز لنا أن نقول : أخبرنا الله بذلك ، ولا يجوز في مثله أن يقول : حدثنا . وقد كان النبي عليه السلام كتب إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الإسلام ، ( وكتب إلى الضحاك بن سفيان في توريث المرأة في دية زوجها ) . وقال عبيد الله بن عكيم : ورد علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان لا تنفعوا من الميتة بشئ ) . فدل على أن ما تضمنه الكتاب من ذلك : هو إخبار من الكاتب به . وأما ما يوجد من كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف به قد تناولته النسخ ، فإنه جائز لمن نظر فيه أن يقول : قال فلان كذا ، ومذهب فلان كذا ، وإن لم يسمعه من أحد . مثل كتب محمد بن الحسن ، وموطأ مالك ، ونحوها من الكتب المصنفة في أصناف العلوم ، لأن وجود ذلك على هذا الوصف بمنزلة خبر التواتر والاستفاضة ، لا يحتاج مثله إلى إسناد ، وقد عاب بعض أغمار أصحاب الحديث على محمد بن الحسن رحمه الله حين سئل عن هذه الكتب فقيل له : أسمعتها من أبي حنيفة ؟ فقال : لا ، فقيل له : أسمعتها من أبي يوسف ؟ فقال : لا . وإنما أخذناها مذاكرة . فأنكر هذا القائل بجهله على محمد بن الحسن رحمه الله : أن يحكي عنهم أقاويلهم التي في كتبهم المصنفة من غير سماع . وقد قلنا : إن مثل هذا لا يحتاج فيه إلى سماع ، ولا إسناد ، لظهوره واستفاضته . ولو لم يكن هذا هكذا لما جاز لأحد أن يقول لموطأ مالك ، أو كتاب أبي يوسف : هذا كتاب فلان ، وهذا كتاب فلان ، إذا لم يكن قد سمعه بإسناد ، وأما ( 1 ) إذا قال الراوي لرجل : قد أجزت لك أن تروي عني جميع ما في هذا الكتاب ، فاروه عني . فإن كانا قد علما ما فيه ، جاز له أن يرويه عنه . فيقول : حدثني ، وأخبرني ، كما أن