الجصاص

189

الفصول في الأصول

باب القول في رواية المدلس وغيره قال أبو بكر رحمه الله : التدليس أن يروى عن أخبر لقيه ، ويوهم السامع منه أنه سماع ، ولا يكون قد سمعه منه ، وإنما سمعه من غيره ، فيقول : قال فلان ، وذكر فلان ، ونحو ذلك . وقد كان الأعمش ، والثوري ، وهشام ، ( 1 ) في آخرين يدلسون الأخبار . وكان شعبه يقول : لأن أزني أحب إلى من أن أدلس . والقول فيه عندنا : أنه إن كان المدلس مشهورا بأنه لا يدلس إلا عمن يجوز قبول روايته ، فروايته مقبولة فيما دلس ، وإن كان الظاهر من حاله أنه لا يبالي عمن دلس : من ثقة أو غير ثقة ، فإنه لا يقبل روايته إلا أن يذكر سماعه فيه ، على نحو ما بينا في إرساله الحديث ، ولا سيما كل من أسقط من بينه وبين من روى عنه رجلا مدلسا ، لأن الصحابة قد رووا عن النبي عليه السلام كثيرا من الأحاديث التي لم يسمعوا ، وحذفوا ذكر من بينهم وبين النبي عليه السلام ، واقتصروا على أن قالوا : قال النبي عليه السلام . وكذلك التابعون ، ولا يسمعون مدلسين من وجهين : أحدهما : أنهم إنما قصدوا الاختصار ، وتقريب الإسناد على السامعين منهم . والآخر : أنهم أرادوا بالإسناد ( 2 ) تأكيد الحديث ، والقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قاله ، ولم يقصدوا التزين بعلو الإسناد .