الجصاص

169

الفصول في الأصول

بطهارته إنما أخبر عما علمه من حاله بدأ . قال أبو بكر رحمه الله : ويجوز أن نفرق بينهما من جهة أنهم لم يختلفوا في تزويج النبي عليه السلام ميمونة ، وإنما اختلفوا في تاريخه . فقال بعضهم : تزوجها قبل الإحرام . وقال بعضهم : تزوجها بعد الإحرام . وكذلك لم يختلفوا في تخيير بريرة لم أخيرها النبي صلى الله عليه وسلم حين أعتقت . واختلفوا في تاريخه . فقال قائلون : كان بعد عتق زوجها . وقال آخرون : قبل عتق زوجها . فكان خبر من أخبر بتاريخ الإحرام ، وتاريخ عتق زوج بريرة ، مقدما لعتقها . أو كما لو شهد شاهدان : أنه أعتقه منذ شهر ، وأخبر اثنان : أنه منذ سنة . أن الوقت المتقدم أولى . فكان ذلك كلاما في تاريخ الحكم ، وكان لما أثبتناه ضربا من الترجيح ، وكان أولى . وأما المخبر بنجاسة الماء وطهارته ، فإنما أخبر عن شئ بعينه على وصفين متضادين ، فجاز إسقاط خبريهما إذا تساويا ، ولم يكن نظيرا لما وصفنا . قال أبو بكر : ومتى ورد خبران متضادان : أحدهما بان على أصل قد ثبت ، والآخر ، ناقل عنه ، وقد تساويا في جهة النقل ، وسائر الأسباب ، فالواجب أن يكون الخبر الناقل عن الأصل أولى من الخبر الباني عليه ، على ما ذكرنا عن أبي الحسن في خبري الحظر والإباحة ، سواء كان الناقل مبيحا لشئ قد ثبت حظره ، أو حاظرا لشئ قد ثبت إباحته . . . وينبغي على ما ذكرناه عن أبي الحسن وعن عيسى أن يسقطا جميعا ، ويبقى الشئ على ما كان عليه قبل ورود الخبرين ، وعلى هذا الاعتبار ينبغي أن يكون حكم الخبرين إذا تعارضا في النفي والإثبات ، أن الشئ إن كان منفيا في الأصل ، فخبر الإثبات أولى ، وإن كان ثابتا في الأصل ، فخبر النفي أولى ، للعلة التي ذكرناها عن أبي الحسن : من أن ورود الإثبات على النفي متيقن ، والثاني : يجوز أن يكون ورد على ما كانت عليه حال الشئ قبل ورود الاثبات . وكذلك إن كان الشئ قد علم ثبوته . ثم ورد خبران : أحدهما : في إثباته ، والآخر : في نفيه ، فخبر النفي أولى ، لأنا قد علمناه طارئا على الإثبات بدأ ، وجائز أن يكون خبر الإثبات واردا على ما كان عليه حال الشئ في الأصل ، وذلك نحو ما روي : أن النبي عليه السلام : كان يقنت في الفجر . وهذا متفق على نقله ، وأنه قد كان . ثم روي أنه : ترك القنوت بعد فعله . فكان المثبت للقنوت ثابتا على أصل ما ثبت بالنقل . والنافي له أخبر : أن الترك كان طارئا على الفعل ، فكان أولى ، لأنه قنت بعد الترك ، وقد ثبت أنه ترك بعد الفعل ، فكان أولى ، لما وصفنا .