الجصاص

170

الفصول في الأصول

وعلى ما حكيناه عن عيسى : ينبغي أن يسقطا جميعا ، ويبقى الشئ على ما كان عليه قبل ورود الخبرين . وإن ورد خبران : أحدهما يوجب شيئا ، والآخر ينهي عنه ، وكان حكم ذلك الشئ في الأصل الإباحة ، فإنا قد تيقنا أنه قد نقل عن الإباحة : إما إلى إيجاب ، أو إلى حظر . فجائز أن يقال حينئذ : إن الإباحة قد زالت ، ولم يثبت حظر ، ولا إيجاب ، فيكون أمره موقوفا ، لا يجوز إثباته . وجائز أن يقال : يطرح الخبران جميعا ، فيبقى الشئ على ما كان عليه حكمه من الإباحة . ومتى ورد خبران متعارضان : في أحدهما فعل من النبي صلى الله عليه وسلم لشئ ، وفي الآخر النهي عنه وتساويا ، فالخبر الذي فيه النهي أولى ، وذلك نحو ما روي : أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع ، فهذا فعل ليس فيه أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بفعله . وروي عنه أنه قال : ( كفوا أيديكم في الصلاة ) وأنه قال : ( لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن ) ولم يذكر منها حال الركوع ، فكان خبر النهي أولى لوجوه : أحدها : أن فعل المنهي عنه يستحق فاعله العقاب . وترك ما فعله النبي عليه السلام لا يستحق عليه العقاب ، بظاهر فعل النبي عليه السلام إياه . والوجه الآخر : أنه قد يفعل أفعالا لنفسه لا يريدها منا ، ولا يأمرنا بشئ ، أو ينهي عنه إلا وقد أراد منا ما تضمنه الأمر والنهي . ووجه ثالث : وهو أن فعل النبي عليه السلام في الأصل لا يقتضى الوجوب ، فلا يعارض الأمر والنهي بالفعل . فإن قال قائل : قد روى عن النبي عليه السلام : أنه قد ( أمر بالوضوء مما مست النار ) ( 1 ) وروى عنه عليه السلام أنه : ( أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ ) فعارضت الأمر بالفعل وجعلت الفعل أولى منه .