الجصاص
134
الفصول في الأصول
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله إن كنا لنجالس أبا هريرة فيقول : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول ، ثم يقول : أخبر كعب ، ( 1 ) ثم نفترق من ذلك المجلس فنسمعهم يذكرون حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب ، وحديث كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ) ( 2 ) فهذا الذي ذكرنا يدل : على أن كبراء الصحابة قد أشفقوا على حديث النبي عليه السلام ، من أن يدخله خلل أو وهم ، أو أن يلحقوا به ما ليس منه . فلذلك أمروا بالإقلال من الرواية ، إلا لذوي الضبط والإتقان منهم ، وإذا كان السهو والغلط جائزا على الرواة ، ثم ظهر من السلف إنكار كثرة الرواية على بعضهم ، كان ذلك سببا لاستعمال الرأي والاجتهاد فيما يرويه ، وعرضه على الأصول والنظائر . قال عيسى بن أبان رحمه الله : فإن كان الذي روى ذلك عنه مجهولا ، أو شك الناس في خبره ، واتهموا وهمه ، نظر فيه بالاجتهاد ، ورد منه ما كان يخالف نظائره من السنة والتأويل ، وجاز الاجتهاد في قبوله ورده . قال : وكل من حمل عنه الثقات الحديث : من أعرابي وغيره ، ممن سمع حديثا فرواه ، ولم يعرف نشره ، وليس من أهل العلم المعروفين بالثقة فيه ، والحفظ له ، مثل : معقل بن سنان ( 3 ) ووابصة بن معبد ، وسلمة بن المحبق : حديثهم عندنا مقبول ، لحمل الثقات عنهم . وللعلماء أن ينظروا في أخبارهم ، فيردوا منها ما أنكروا بالتأويل ، والقياس ، والاجتهاد ، ولم يشق على من اجتهد ، فرد بعضه ، وقبل بعضا ، فقبل منه ما لم يرده نظائره من الأصول ، ورد منه ما كذبته نظائره ، بكون أخبار هؤلاء عندنا كأخبار المعروفين بالعلم والحفظ ، كالشهود ، وإن كانوا عدولا ، ولا يكون منهم المغفل الذي تقبل شهادته في الواضح ، الذي يرى الحاكم : أنه يضبط مثله ، ويرده في الأمر المشكل الذي يرى : أنه لا يضبط حفظه ، والقيام به ، أجاز رد رواية المجهول بقياس الأصول ، وسوغ الاجتهاد في قبولها وردها من هذا الوجه .