الجصاص

102

الفصول في الأصول

التي يعتبرها قائل هذه المقالة . بل لا يمكنه حتى ( 1 ) إثبات خبر يرويه اثنان ، عن اثنين ، حتى يبلغوه النبي عليه السلام . فكيف يصح له الاحتجاج بها في اعتبار خبر الاثنين . منها : أنه ذكر قصة ذي اليدين حين قال للنبي عليه السلام : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال : ( كل ذلك لم يكن ، ثم أقبل على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . فقال : أحق ما يقول ذو اليدين ؟ فقالا : نعم ) قال : فلما لم يكتف النبي عليه السلام بقول ذي اليدين وحده - دل على أن خبره لم يوجب حكما ، ولو كان يوجب حكما لما احتاج إلى مسألة غيره في إثبات حكمه . فيقال له : إن لأخبار ( 2 ) الآحاد عندنا شرائط في قبوله . منها : أن المخبر إذا حكى شيئا ذكر أنه كان يحضره جماعة ، ثم لم تعرفه الجماعة . كان ذلك عندنا موجبا للتثبت في خبره ، وقصة ذي اليدين من هذا القبيل . فامتنع عند النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفي ما ذكره على جماعه الحاضرين ، وينفرد هو بمعرفته دونهم ، فلذلك سأل غيره . ألا ترى : أن رجلا لو قال للإمام يوم الجمعة : إنك صليت ركعة ، لم يعرف ذلك من خلفه مع كثرتهم ، أنه لا يلتفت إلى خبره ، وكما نقول في رؤية الهلال : إنه لا يقبل قول الواحد فيه إذا لم تكن بالسماء علة ، لأنه يمتنع أن لا يحضر جماعات كثيرة لطلب الهلال ، فينفرد برؤيته واحد دونهم ، مع تساويهم في صحة الإبصار ، وإنفاق همهم في الطلب . وذكر أيضا : أن النبي عليه السلام لم يشهد في عهوده والإقطاعات للناس أقل من رجلين ، فدل على وجوب اعتبار العدد في الأخبار . قال أبو بكر رحمه الله : أما العهود والإقطاعات : فإن فيها حقوقا لقوم بأعيانهم ، كسائر حقوق الآدميين ، فاحتاج إلى شهادة رجلين توثقة لهم ، وحجة يصلون بها إلى إثباتها بعد وفاة النبي عليه السلام ، وليس ذلك من أخبار الديانات في شئ . ألا ترى : أن النبي عليه السلام قد كتب كتبا في الأحكام ، ولم يشهد فيها أحدا ، نحو كتابه لعمرو بن حزم في ضروب من الأحكام ، وكتابه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الصدقات ، وكتابه إلى الضحاك بن سفيان ، وكتابه إلى ملوك الآفاق ، وغير ذلك من الكتب ، ولم يشهد في شئ منها شهودا ، لأن طريق إثباتها كان للخبر ، لا للشهادة .