عبد الملك الثعالبي النيسابوري

7

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

ولذلك تجد شعر عدي بن زيد وهو جاهلي أسلس من شعر الفرزدق وجرير وهما إسلاميان ، لملازمة عدي الحاضرة ، وإيطانه الريف وبعده عن جلافة البدو وجفاء الأعراب ، وترى رقة الشعر أكثر ما تأتيك من قبل العاشق المتيم ، والغزل المتهالك . وإذا اتفقت الدماثة والصبابة وانضاف الطبع إلى الغزل ، فقد جمعت لك الرقة من أطرافها . ولما ضرب الإسلام بجرانة « 1 » واتسعت ممالك العرب وكثرت الحواضر ونزعت البوادي إلى القرى ، وفشا التأدب والتظرف « 2 » ، اختار الناس من الكلام ألينه وأسهله ، وعمدوا إلى كل شيء ذي أسماء فاستعملوا أحسنها مسمعا ، وألطفها من القلب موقعا ، وإلى ما للعرب فيه لغات فاقتصروا على أسلسها وأرشقها كما رأيتهم فعلوا في صفات الطويل ، فإنهم وجدوا للعرب نحوا من ستين لفظا أكثرها بشع شنع ، فنبذوا جميع ذلك وأهملوه ، واكتفوا بالطويل لخفته على اللسان وقلة نبوّ السمع عنه في البيان « 3 » . قال مؤلف الكتاب : وأنا أكتب من خطبة كتاب القاضي في تهذيب التاريخ فصلين ، بعد أن أقول : إنه تاريخ في بلاغة الألفاظ وصحة الرواية وحسن التصرف في الانتقادات ، وأجريتهما وما تقدمهما من كتاب الوساطة مجرى الأنموذج من نثر كلامه ، ثم أقفّي على أثره بلمع من غرر أشعاره ، إن شاء اللّه تعالى . فصل - ولولا التاريخ ، لما تميز ناسخ من منسوخ ، ومتقدم من متأخر وما استقر من الشرائع وثبت مما أزيل ورفع ، ولا عرف ما كان أسبابها وكيف مست الحاجة إليها ، وحصلت وجوه المصلحة فيها ، ولا عرفت مغازي رسول اللّه صلى

--> ( 1 ) الجران : أصله مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره ، ويريد هنا انتشار الاسلام . ( 2 ) فشا : انتشر وذاع . ( 3 ) نبوّ السمع : نفوره .