عبد الملك الثعالبي النيسابوري

8

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

اللّه عليه وسلم وحروبه وسراياه وبعوثه ، ومتى قارب ولاين وسارر وخافت ، وفي أي وقت جاهر وكاشف ونبذ أعداءه وحارب ، وكيف دبّر أمر اللّه الذي ابتعثه له ، وقام بأعباء الحق الذي طوّقه ثقله « 1 » ، وأيّ ذلك قدم وأيها أخر ، وبأيها بدأ وبأيها ثنّى وثلّث ، وإن الولد البر ليتفقد من آثار والده ، والصاحب الشفيق ليعني بمثله من شأن صاحبه ، حتى يعد إن أغفله مستهينا به مستوجبا لعتبه ، فكيف لمن هو رحمة اللّه المهداة إلينا ونعمته المفاضة علينا ، ومن به أقام اللّه دنيانا وديننا وجعله السفير بينه وبيننا ؟ وأيّ أمر أشنع وحاله أقبح من أن يحل الرجل محل المشار إليه المأخوذ عنه ثم يسأل عن الغزوتين المشهورتين من مشهور غزواته والأثرين من مستفيض آثاره ، فلا يعرف الأول من الثاني ، ولا يفرق بين البادي والتالي . فصل آخر وهذا كتاب قصدت به غرضيّ دين ودنيا : أما الدين فان اقتديه « 2 » من آثار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأخباره ومعارف أحواله وأيامه ، وذكر ما طمس اللّه من معالم الشرك وأوضح معارف الحق ، وما خفض بعلو كلمته وعلى أيدي أنصاره وشيعته ، من رايات كانت عالية على الأبد ، مكنوفة بحصافة العدد ، « 3 » وكثافة العدد ، ما يعلم به العاقل المتوسم أن تلك الفئة القليلة والعدة اليسيرة - على قلة الأهبة ، وقصور العدة وخمول الذكر وضعف الأيدي وعلو أيدي الأعداء وشدة شوكة الأقران - لا تستمر لها ولا تتفق بها مغالبة الأمم جمعا . ومقاومة الشعوب طرّا ، وقهر الجنود الجمّة ، والجموع الضخمة ، وإزالة الممالك الممهدة والولايات الموطدة . في الدهر الطويل والزمن المديد - مع وفور العدة وانبساط القدرة . واستقرار الهيبة - إلا بالنصرة الإلهية . والمعونة السماوية وإلا بتأييد لا يخص اللّه

--> ( 1 ) طوّقه ثقله : أي سلّم إليه مقادير أموره والقيام بأمره . ( 2 ) أقتذيه : أتعلمه وأتتبّعه . ( 3 ) مكنوفة بحصافة العدد : محاطة ومحروسة بالرأي والعدّة معا .