عبد الملك الثعالبي النيسابوري

32

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

إما بين يدي ، أو بأقرب المجالس لدي . ولا يقولن هذا أديب وشاعر ، أو وافد وزائر . بل يحسبه قد تخفف بين يديه أعواما وأحقابا ، وقضى في التصرف لديه صبا وشبابا . وهذا إنما يحتاج إلى وسيط وشفيع ما لم ينشر بزه « 1 » ، ولم يظهر طرزه . وإلا فسيكون بعد شفيع من سواه . ووسيط من عداه . فهناك بحمد اللّه درقه وحدقه « 2 » ووجنة مطرفه ، وما أكثر ما يفاخرنا بمناظر جرجان وصحاريها . ورفارفها وحواشيها ، فليملأ مولاي عينه من منتزهات أصبهان ، فعسى طماحه أن يخفف ، وجماحه أن يقل . وشريطة أخرى في بابه : وهي أنه ليس موضعا لماله ، فسبيل ما يرزأه « 3 » أن يكون ما أقام في حجره ، وإن أذن له مولاي في العود داخلا في حظر . فما أكثر ما يباري البرامكة تبرّما بجانب الجمع ، وتخرّقا « 4 » في مذاهب البذل . ونسبة للرياح إلى الإمساك والبخل . فبينا تراه والثروة أقرب وصفيه ، حتى تلقاه والحاجة أحد خصميه ، وكم وكم تداركت امره فما ازداد الخرق إلا وسعا لا يقبل رتقا ، وتهاونا لا يسع تلافيا ، وما كنت مع إبرامه لأفسح له في الخروج وأمد له طول النهوض مع أنسي الشديد بحضوره ، واستمتاع النفس بعقله وجنونه ، غير أني أزرته من ينظر بعيني . ويسمع بأذني ، ومن إذا ارتاح للأمر فقد ارتحت ، وإذا انشرح صدرا فقد انشرحت . ونكتة أخرى : وهي واسطة التاج ، وفاتحة الرتاج . مولاي سمح بماله ، مقرب لمناله ، بخيل بجاهه ، ضنين بكلامه . وأبو الحسن لا يقبل العذر ، أو يصدق النذر ، فيجعل جوده بلسانه ، أبلغ من جوده ببنانه ، وحقا اخبر أن قصده الأكثر الارتفاع ، لا الانتفاع ، غير أني أنبأت عن سره . وعن سن بكره ، وانقضت

--> ( 1 ) البزّ : الأثواب . ( 2 ) الدّرق : الصلب من كلّ شيء ، ومنها الدرقة وهي الترس ، وحدقه : أي نظره وإحاطته . ( 3 ) يرزأه : من الرزء وهو المصاب . ( 4 ) تخرّقا : جهلا .