عبد الملك الثعالبي النيسابوري
31
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
جوانحه « 1 » ، فإن يقل مولاي من ذا الذي هذا خطبه وهذه خطته ؟ أقل من فضله برهان حق ، وشعره لسان صدق . ومن أطبق أهل جلدته ، على أنه معجزة بلدته . فلا يعد لجرجان بعيدا ولا قريبا أو لأختها طبرستان قديما ولا حديثا مثله ، ومن أخذ برقاب النظم أخذه . وملك رق القوافي ملكه ، ذاك على اقتبال شبابه وريعان عمره ، وقبل أن تحدثه الآداب ، وقيل جري المذكيات غلاب ، أبو الحسن الجوهري أيده اللّه وبناؤه عند مولاي منذ حين ، وخصوصه بي كالصبح المبين ، إلا أن لمشاهدة الحاضر ، ومعاينة الناظر ، مزية لا يستقصيها الخبر ، وإن امتد نفسه ، وطال رعانه ومرسه « 2 » ، وقد ألف إلى هذه الفضيلة التي فرع بنيها « 3 » ، وأوفى على ذوي التجربة والتقدمة فيها ، نفاذا في أدب الخدمة ، ومعرفة بحق الندام والعشرة ، وقبولا يملأ به مجلس الحفلة ، إنصاتا للمتبوع إلا إذا وجب القول ، وإعظاما للمخدوم إلا إذا خرج الأمر ، وظرفا يشحن مجلس الخلوة ، وحديثا يسكت به العنادب ويطاول البلابل ، فإن اتفق أن يفسح له في الفارسية نظما ونثرا طفح آذيه . وسال أتيه ، فألسنة أهل مصره إلا الأفراد بروق إذا وطئوا أعقاب العجم ، وقيود إذا تعاطوا لغات العرب ، حتى إن الأديب منهم المقدم ، والعليم المسوّم « 4 » ، يتلعثم إذا حاضر بمنطقه كأنه لم يدر من عدنان ، ولم يسمع من قحطان ، ومن فضول أخينا أو فضله أنه يدعى الكتابة ويدارس البلاغة ، ويمارس الإنشاء ، ويهذي فيه ما شاء ، وكنت أخرجته إلى ناصر الدولة أبي الحسن محمّد بن إبراهيم فوفق التوفيق كله صيانة لنفسه ، وأمانة في ودائع لسانه ويده ، وإظهارا لنسك لم أعهده في مسكه . حتى خرج وسلم على نقده ، وإن نقده لشديد لمثله . ومولاي يجريه بحضرته مجراه بحضرتي ، فطعامه ومنامه وقعوده وقيامه .
--> ( 1 ) الجوانح : أوائل الأضلاع ممّا يلي الصدر . ( 2 ) الرعان : الشدّة ، ومرسه : أي تمرّسه واحتكاكه . ( 3 ) فرع بنيها : أي علاهم شرفا وجاها . ( 4 ) المسوّم : سوّمه الأمر : كلّفه إياه ، وسوّمه في ماله : أي حكّمه فيه .