عبد الملك الثعالبي النيسابوري

232

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

على العرض والحسب ، ولا على الدين والأدب ، ولا بد للنعمة من عودة ، ولا بد لعين الكمال من رقية ، ولأن يكون في دار تبنى ، ومال يجبر وينمى ، خير من أن يكون في النفس التي لا جابر لكسرها ، ولا نهاية لقدرها . فصل في ذكر الرمد صادف ورود الكتاب رمدا في عيني حتى حصرني في الظلمة ، وحبسني بين الغم والغمة ، وتركني أدرك بيدي ما كنت أدرك بعيني ، كليل سلاح البصر قصير خطو النظر ، قد ثكلت مصباح وجهي ، وعدمت بعضي الذي هو آثر عندي من كلي ، فالأبيض عندي أسود ، والقريب مني مبعد . قد خاط الوجع أجفاني ، وقبض عن التصرف بناني . ففراغي شغل ، ونهاري ليل ، وطول ألحاظي قصار ، وأنا ضرير وإن عددت في البصراء . وأمّيّ وإن كنت من جملة الكتاب والقراء . قصرت العلة خطوتي قلمي وبناني ، وقامت بين يدي ولساني . وقد كانت العرب تزاوج بين كلمات تتجانس مبانيها ، وتتكافأ مقاطعها ومعانيها ، فيقولون : القلة ذلة ، والوحدة وحشة ، واللحظة لفظة ، والهوى هوان ، والأقارب عقارب ، والمرض حرض « 1 » ، والرمد كمد ، والعلة قلة ، والقاعد مقعد . فصل في مدح الفقر وإنما يكره الفقر لما فيه من الهوان ، ويستحب الغنى لما فيه من الصوان ، فإذا نبغ الغم من تربة الغنى فالغنى هو الفقر ، واليسر هو العسر ، لا بل الفقير على هذه القضية أحسن من الغني ، وأقل منه أشغالا ، لأن الفقير خفيف الظهر من كل حق ، منفك الرقبة من كل رق ، فلا يستبطئه إخوانه ، ولا يطمع فيه جيرانه ، ولا تنتظر في الفطر صدقته ، ولا في النحر أضحيته ، ولا في شهر رمضان مائدته ، ولا

--> ( 1 ) الحرض : الهلاك .