عبد الملك الثعالبي النيسابوري

227

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

طبيبين ، وهل يسع الغمد سيفين ، لم أر معلما أحسن تعليما من الزمان ، ولا متعلما أحسن تعلما من إنسان ، من الناس من إذا ولّى عزلته نفسه ومنهم إذا عزل ولاه فضله ، ربما أكل الحر وهو شبعان ، وشرب وهو ريّان ، ليس إلّا لأن يسرّ مضيفا . ويكون ظريفا ، يشكر القمر على أن يلوح والمسك على أن يفوح ، نعم العدة المدة ، ونعم الواقية العافية ، وبئس الخصم الزمان ، وبئس الشفيع الحرمان ، وبئس الرفيق الخذلان ، إن ولاية المرء ثوبه ، فإن قصر عنه عرى منه ، وإن طال عليه عثر فيه ، ما المحنة إلا سيل والسيل إذا وقف فقد انصرف وما الأيام إلا جيش والجيش إذا لم يكر فقد فر . وإذا لم يقبل عليك فقد أدبر عنك . وراء الغيب أقفال ، وللمنح والمحن أعمار وآجال . ما أكثر من يخطئ بالصنعة طريق المصنع ، ويخالف بزرعه غير موضع المزدرع . أكبر من الأسير من أسره ثم أعتقه ، وأشجع من الأسد من قيده ثم أطلقه ، أكرم من النبت الزكي من زرعه . وأكرم من الكريم من اصطنعه ، لا صيد أعظم من إنسان ولا شبكة أصيد من لسان ، وشتان بين من اقتنص وحشيا بحبالته وبين من اقتنص انسيا بمقالته . من أراد أن يصطاد قلوب الرجال ، نثر لها حب الإحسان والإجمال ، ونصب لها أشراك الفضل والإفضال ، في كتمان الداء عدم الدواء ، وفي عدم الدواء عدم الشفاء ، من لم يذكر أخاه إذا رآه فوجدانه كفقدانه ، ووصله كهجرانه ، من أجاد الجلب أخذ به ما طلب ، من ذا الذي يطمس نجوم الليل ويدفع منسكب السيل ، وينضب ماء البحر ، ويفنى أمد الدهر ؟ من تكامل نحسه لم تنصحه نفسه ، ومن لم ينه أخاه فقد أغراه ، ومن لم يداو عليله فقد أدواه « 1 » ، نعم جنة المرء من سهام دهره نزوله عند قدره ، ونعم السلم إلى الأرزاق طلبها من طريق الاستحقاق . * * *

--> ( 1 ) أدواه : أمرضه ، وجعله يرتاب منه .