عبد الملك الثعالبي النيسابوري
228
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
وهذه فصول كالأنموذج جاءت من غرره وفقره على الكريم واقية من فعله ، وله حصن حصين من فضله ، فإذا زلّت به النعل زلة ، أوصال عليه الدهر صولة ، اقامته يد إحسانه ، وانتزعته من مخالب زمانه . فصل - الرجال حصون يبنيها الإحسان ، ويهدمها الحرمان ، وتبلغ بثمرها البر واليسر ، ويحصدها الجفاء والكبر ، وإنه لا مال إلا بالرجال ، ولا صلح إلا بعد قتال ولا حياة إلا في ناصية خوف « 1 » ، ولا درهم إلا في غمد سيف ، والجبان مقتول بالخوف قبل أن يقتل بالسيف ، والشجاع حي وإن خانه العمر ، وحاضر وإن غيّبه القبر ، ومن حاكم خصمه إلى السيف فقد رفعه إلى حاكم لا يرتشي ولا يفتري فيما يقتضي ، ومن طلب المنية هربت منه كل الهرب ، ومن هرب منها طلبته أشد الطلب . فصل - لا صغير مع الولاية والعمالة ، كما لا كبير مع العطلة والبطالة ، وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها ، ومطية تحسن وتقبح بممتطيها ، وإنما الصدر بمن يليه ، والدست بمن يجلس فيه ، وإنما النساء بالرجال ، كما أن الأعمال بالعمال . فصل - إفراط الزيادة يؤدّي إلى النقصان ، والمثل في ذلك جار على كل لسان ، ولذلك قالوا : صبوة العفيف « 2 » ، وسطوة الحليم ، وضربة الجبان ، ودعوة البخيل ، وجواب السكيت ، ونادرة المجنون ، وشجاعة الخصي ، وظرف الأعرابي . فصل - قد يكبر الصغير ، ويستغني الفقير ، ويتلاحق الرجال ، ويعقب
--> ( 1 ) الناصية : مقدّم الرأس . ( 2 ) الصبوة : جهل الفتوة ولهوها .