عبد الملك الثعالبي النيسابوري

109

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

سبق الناس بيانا فغدا * وهو بالإجماع بكر الفلك أصبح الملك به متسقا * لسليل الملك عبد الملك ووقع في ريعان عمره ، وعنفوان أمره ، إلى أبي علي الصاغاني فاستأثره فحسن أثره واستخلصه لنفسه ، وقلده ديوان الرسائل فحسن خبره ، وسافر أثره ، وكانت كتبه ترد على الحضرة ، في نهاية الحسن والنضرة . وتقع المنافسة فيه ، ويكاتب أبو علي في إيثار الحضرة به ، فيتعلل ويتسلل لواذا « 1 » ولا يفرج عنه ، إلى أن كان من كشف أبي علي قناع العصيان ، وانهزامه في وقعة جرجيل إلى الصغانيان كما كان . وحصل أبو القاسم في جملة الأسرى من أصحاب أبي علي ، فحبس في القمندر وقيد مع حسن الرأي فيه وشدة الميل إليه ، ثم إن الأمير الحميد نوح بن نصر أراد أن يستكشفه عن سره ، ويقف على خبيئة صدره فأمر أن تكتب إليه رقعة على لسان بعض المشايخ ويقال له فيها : إن أبا العباس الصاغاني قد كتب إلى الحضرة يستوهبك من السلطان ويستدعيك إلى الشاش لتتولى له كتابة الكتب السلطانية ، فما رأيك في ذلك ؟ فوقع تحته في الرقعة رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ . فلما عرض التوقيع على الحميد حسن موقعه منه ، فأعجب به ، وأمر بإطلاقه وخلع عليه وأقعده في ديوان الرسائل خليفة لأبي عبد اللّه كله وكان الاسم له والعمل لأبي القاسم ، وعند ذلك قال بعض مجّان الحضرة [ من مجزوء الرجز ] : تبظرم الشيخ كلّه * ولست أرضى ذاك له « 2 » كأنه لم ير من * أقعد عنه بدله واللّه إن دام على * هذا الجنون والبله فإنّه أوّل من * ينتف منه السبله « 3 »

--> ( 1 ) لواذا : التجاء وحماية . ( 2 ) تبظرم : تختّم أي لبس الخاتم ، وتبظرم إذا كان أحمق وعليه خاتم ويشير به في وجوه الناس . ( 3 ) السبلة : اللحية .