عبد الملك الثعالبي النيسابوري
110
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
وكان أبو القاسم يهجوه كما تقدم ذكره في الجزء الثاني من هذا الكتاب ومن شعره قوله [ من مجزوء الرجز ] : هذا الذي يدعى كله * ما شأنه إلا البله في رأسه عمامة * مكفوفة مزّمّله « 1 » كأنّها في لونها * قدر على سفرجله ولما توفي أبو عبد اللّه تولى أبو القاسم العمل برأسه ، وعلا أمره ، وبعد صيته ، وجمعت رسائله أقسام الحسن والجودة ، وازداد على الأنام تبحرا في الصناعة ، وقدرة على الإنشاءات التي يؤنس مسمعها ، ويؤيس مصنعها . ويحكى أن الحميد أمره ذات يوم أن يكتب إلى بعض أصحاب الأطراف كتابا وركب إلى متصيده ، واشتغل أبو القاسم عن ذلك بمجلس أنس عقده وإخوان جمعهم عنده ، وحين رجع الحميد من متصيده استدعى أبا القاسم وأمره بإحضار الكتاب الذي رسم له كتبه ليعرض عليه ، ولم يكن كتبه ، فأجاب داعيه وقد نال منه الشراب ومعه طومار ( 3 ) أبيض أوهم أنه مكتوب فيه الكتاب المرسوم له ، فقعد بالبعد منه فقرأ عليه كتابا طويلا سديدا بليغا أنشأه في وقته وقرأه عن ظهر قلبه ، فارتضاه الحميد وهو يحسب أنه قرأه من مسودات مكتوبة ، وأمره بختمه ، فرجع إلى منزله وحرر ما قرأه وأصدره على الرسم في أمثاله . ومن عجيب أمره أنه كان أكتب الناس في السلطانيات ، فإذا تعاطى الإخوانيات كان قاصر السعي قصير الباع ، وكان يقال : إذا استعمل أبو القاسم نون الكبرياء ، تكلم من في السماء . وكان من علو الرتبة في النثر وانحطاطها في النظم كالجاحظ ، ورسائله كثيرة مدونة سائرة في الآفاق لا يسع هذا الكتاب إلا الأنموذج مما يجري مجرى الغرر والأمثال منها . * * *
--> ( 1 ) مزمّلة : ملتفّة .