عبد الملك الثعالبي النيسابوري

56

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

أبأ حشاء نسجت . أم صفاق قلبي ألفت ؟ بأبي أجد مكانك من نفسي مكينا ، وجبل هواك على كبدي متينا ، من أين خلصك كف طابخك إلى باطني ، فأقطعك مني دواجني ، والعزيز الغفار لأطلبن بالثأر ، وتلمظ « 1 » له لسان الميزان ، فجعل يصيح الثعبان الثعبان . فلما عاينته قد ألبس ، وهو ينظر نظر المفلس ، حنت له ضلوعي ، وعلمت أن اللّه فيه غير مضيعي . وقد تحل الصدقة على ذي الوفر ، وفي كل كبد رطبة أجر . فأمرت الغلام بابتياع أرطال تجمع أنواعها التي أنطقته ، وتحتوي على ضروبها التي أخرعته . فجاء بها فوضعها بين يديه ، فلما عاينها انحنى عليها بليانه ، وألقى عليها بجرانه ، وجعل يركل برجليه ، ويجاحش بفخذيه ممانعا ، ومدافعا عنها . فصحت به لا عليك حكمها ، فجعل يقطع ويبلع ، ويوجر فاه ويدفع . وعيناه تبضان ، كأنهما جمرتان ، وقد برزتا عن وجهه كأنهما خصيتان ، وأنا أقول : على رسلك يا فلان . البطنة تذهب الفطنة . وهو يقول ( أكلها دائم وظلها ) حتى التهم جماهرها . وألحق أولها بآخرها . وهبت منه ريح عقيم . أهبا لنا بالعذاب الأليم ، وفرقتنا شذر مذر « 2 » . وسربتنا في كل شعب شغر بغر « 3 » ، فانتحينا منه الطرفان ، وصدق الخبر فيه العيان ، نفخ ذلك فبدد النعام ، ونفح هذا فبدد الأنام ، فلم نجتمع بعد هذا والسلام . وله يصف جارية : أخت نعمة ، وربيبة نعمة ، كأن شعرها على غرتها الغراء ، غراب يسفد « 4 » حمامة بيضاء . وكأن خدها على جيدها المشرق ، تفاحة قدم بها إبريق من راووق تكلمك بألحاظها ، وتأسوك بألفاظها . تقابلك من خدها بوردة ، ومن عينها بنرجسة .

--> ( 1 ) تلمّظ : أصل معناه أخرج لسانه فمسح به شفتيه . ( 2 ) شذر مذر : أي ذهبوا في كلّ وجه . ( 3 ) شغر بغر : أيّ تفرّقوا في كل وجه . ( 4 ) يسفد : يجامع .