عبد الملك الثعالبي النيسابوري
266
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
عينه ، وشجى صدره ، فبينما هو ذات يوم في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الجراب والمحراب ، إلا أنه من أهل الآداب ، إذ لقي في سفره نصبا ، واشتهى اللحم ، فلم يقدر على ثمنه ، فقال ارتجالا [ من الوافر ] : ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطعم يأتي * يخلّصني من العيش الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد * وددت لو انني ممّا يليه ألا رحم المهيمن نفس حرّ * تصدّق بالوفاة على أخيه فاشترى له رفيقه بدرهم واحد لحما ، فأسكن به قرمه « 1 » وتحفظ الأبيات وتفارقا ، وضرب الدهر ضرباته ، حتى ترقت حالة المهلبي إلى أعظم درجة من الوزارة فقال [ من مجزوء الكامل ] : رقّ الزمان لفاقتي * ورثى لطول تحرّقي وأنالني ما أرتجي * وأجار مما أتّقي فلأصفحن عمّا أتا * ه من الذنوب السّبّق حتى جنايته بما * فعل المشيب بمفرقي وحصل الرفيق تحت كلكل من كلاكل الدهر ، ثقل عليه بركه « 2 » وهاضه عركه « 3 » فقصد حضرته ، وتوصل إلى إيصال رقعة تتضمن أبياتا منها [ من الوافر ] : ألا قل للوزير فدته نفسي * مقال مذكّر ما قد نسيه : أتذكر إذ تقول لضنك عيش * ألا موت يباع فأشتريه ؟ فلما نظر فيها تذكره ، وهزته أريحية الكرم ، للحنين إليه ، ورعاية حق
--> ( 1 ) القرم : شدة الشهوة إلى اللحم . ( 2 ) البرك : البروك وهو النزول . ( 3 ) عركه : عفاه دلكا وحكّا وحمل عليه .