عبد الملك الثعالبي النيسابوري

138

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

وكانت الإبرة فيما مضى * صائنة وجهي وأشعاري فأصبح الرزق بها ضيّقا * كأنّه من ثقبها جاري وهذه الأبيات ليست في ديوان شعره الذي في أيدي الناس ، وإنما هي في مجلدة بخط السري استصحبها أبو نصر سهل بن المرزبان من بغداد ، وهي عنده الآن ، وكل خبر عندنا من عنده . ولما جد السري في خدمة الأدب وانتقل عن تطريز الثياب ، إلى تطريز الكتاب ، فشعر بجودة شعره ، ونابذ الخالديين الموصليين وناصبهما العداوة ، وادعى عليهما سرقة شعره وشعر غيره ، وجعل يورق وينسخ ديوان شعر أبي الفتح كشاجم ، وهو إذ ذاك ريحان أهل الأدب بتلك البلاد ، والسري في طريقه يذهب ، وعلى قالبه يضرب ، وكان يدس فيما يكتبه من شعره أحسن شعر الخالديين ، ليزيد في حجم ما ينسخه ، وينفق سوقه ، ويغلي سعره ، ويشنع بذلك على الخالديين ، ويغض منهما ، ويظهر مصداق قوله في سرقتهما ، فمن هذه الجبهة وقعت في بعض النسخ من ديوان كشاجم زيادات ليست في الأصول المشهورة منها ، وقد وجدتها كلها للخالديين بخط أحدهما ، وهو أبو عثمان سعيد ابن هاشم . في مجلدة أتحف بها الوراق المعروف بالطرسوسي ببغداد أبا نصر سهل بن المرزبان وأنفذها إلى نيسابور في جملة ما حصل عليه من طرائف الكتب باسمه ، ومنها وجدت الضالة المنشودة من شعر الخالدي المذكور وأخيه أبي بكر محمد بن هاشم ، ورأيت فيها أبياتا كتبها أبو عثمان لنفسه ، وأخرى كتبها لأخيه ، وهي بأعيانها للسري بخطه في المجلدة المذكورة لأبي نصر ، فمنها أبيات في وصف الثلج واستهداء النبيذ [ من البسيط ] : يا من أنامله كالعارض الساري * وفعله أبدا عار من العار أما ترى الثلج قد خاطت أنامله * ثوبا يزرّ على الدنيا بأزرار نار ولكنها ليست بمبدية * نورا ، وماء ولكن ليس بالجاري