عبد الملك الثعالبي النيسابوري
46
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
نبذ من ذكر وقائعه وغزواته حدث أبو عبد اللّه الحسين بن خالويه ، قال : لما كانت الشام بيد الإخشيد محمد محمد بن طغج سار إليها سيف الدولة فافتتحها ، وهزم عساكره عن صفين ، فقال له المتنبي [ من الكامل ] : يا سيف دولة ذي الجلال ومن له * خير الخلائف والأنام سميّ أو ما ترى صفين كيف أتيتها * فانجاب عنها العسكر الغربيّ « 1 » فكأنّه جيش ابن حرب رعته * حتى كأنّك يا عليّ عليّ « 2 » وقال أبو فراس من قصيدة طويلة [ من الطويل ] : أتى الشام لما استذأب البهم واغتدت * بها أذؤب البيداء وهي قساور « 3 » فثقّف منآد ، وأصلح فاسد * وذلّل جبار ، وأذعر ذاعر « 4 » وكان ظهر رجل في الغرب يعرف بالمبرقع يدعو الناس إلى نفسه ، والتفت عليه القبائل ، وافتتح مدائن من أطراف الشام ، وأسر أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان ، وهو خليفة سيف الدولة على حمص ، وألزمه شراء نفسه بعدد من الخيل وجملة من المال ، فأسرع سيف الدولة من حلب يغذ « 5 » السير حتى لحقه في اليوم الثالث بنواحي دمشق ، فأوقع به ، وقتله ، ووضع السيف في أصحابه ، فلم ينج إلا من سبق فرسه ، وعاد سيف الدولة إلى حلب ومعه أبو وائل ، وبين يديه رأس
--> ( 1 ) انجاب : انهزم وتراجع وانكشف . ( 2 ) ابن حرب : معاوية بن أبي سفيان ، وعلي الأول : سيف الدولة وعليّ الثاني : الإمام عليّ بن أبي طالب . ( 3 ) البهم : بفتح الباء وسكون الهاء : صغار أولاد الضأن ، والقساور : جمع قسورة ، وهو الأسد . ( 4 ) ثقّف : قوّم وعدّل ، والمنآد : المنحني المنعطف ، وذلّل : أخضع ، وأذعر : أخيف وأفزع . ( 5 ) يغذّ : يسرع .