عبد الملك الثعالبي النيسابوري
16
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فهو أنه لم يعن بجمع أخبار من تعرض للاختيار له من الشعراء مما يتضمن نشأتهم ومواليدهم ووفياتهم وتصرف الدهر بهم ، بل إنه لم يتعرض في بعضهم إلا لاختيار عدة أبيات وقعت له أو سمعها من بعض رواتها من الأدباء ، فالكتاب - في نظر هؤلاء - ناقص وفي مسيس الحاجة إلى إتمام هذا النقص ، ولعلهم يستوجبون على من يتعرض لتحقيقه أن يسد هذه الثلمة ، ونحن نقرر أن هذا الكتاب لم يوضع في تأريخ الأدب والشعر ، ولا كان الغرض منه تأريخ حياة الأدباء والشعراء ، ولكنه وضع في صميم الأدب ولبابه ، فهو يعني بالقول أكثر مما يعني بحال قائله ، وكثير من الشعراء الذين جرى لهم ذكر في الكتاب واختار لهم صاحبه لم يكن يعرف عنهم شيئا ، بل لعله لم يسمع بهم ولا درى من شأنهم غير ما يرويه لهم من الشعر القليل ، ومحقق الكتاب لم يقصد من تحقيقه إلا تمكين القارئ من دراسة الأدب واستنباط ما يريد من نصوصه ، غير حافل بما جرى على أهل هذا الأدب من تصاريف الدهر ، فوق أنه لا يريد أن يتحمل عبئا قد يشق عليه احتماله ، وقد لا يجد لبعض من تعرض لهم المؤلف ذكرا في غير هذا الكتاب ، فهو يرى أن يكتفي بتحقيق النص تحقيقا يطمئن اليه ، ويستطيع به أن يضمن لقارئه الطمأنينة ، وهذا وحده مما لا يستهين به إلا من لا يريد أن يكون من المنصفين . * * * على أن في هذا الكتاب عيبا لا نريد أن نغضي لصاحبه عنه ، وهو - فيما نعتقد - شر من ذلك العيب الذي قدمنا ذكره ، وليس لنا أن نغفر هذا العيب وإن كانت للثعالبي عنه معاذر أكثر من عدد الحصى ، لأن ذلك العيب يغطي على كل محمدة ، بل إنه ليشكك في كل محمدة ، وهذا العيب هو العصبية ، وتظهر هذه العصبية في ناحيتين من كتابه : أما إحدى هاتين الناحيتين ففي حديثه عن شعراء الشام حيث يعقد بابا موضوعه « فضل شعراء الشام على شعراء سائر البلدان ، وذكر السبب في ذلك » ويستهله بقوله « لم يزل شعراء عرب الشام وما يقاربها أشعر من