عبد الملك الثعالبي النيسابوري

12

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

شعراء القرن الرابع وصدر القرن الخامس : ملوكهم وأمرائهم ووزرائهم وقضاتهم ، ذوي الجد منهم وذوي المجون ، في رقعة البلاد التي كانت يد العرب مبسوطة عليها يومذاك ، من بلاد الشام والعراق وجرجان ومصر والمغرب والأندلس وغيرها ، وهذه الحقبة من الزمن - على ما كان فيها من التفرق والاضطراب السياسي - أنضر حقب الزمان في الآداب والعلوم والفنون . وقد بقي الكتاب - على رغم أنه طبع مرتين قبل اليوم - سرا محجوبا لرداءة عرضه وفشو الأغاليط فيه وقلة العناية بروائه ، فأردت أن أخدم العربية التي أشربت حبها من عهد الصغر بإخراجه في صورة ترضى عنها النفس وينشرح لها الصدر ، فتوفرت على مراجعته على أصوله المخطوطة ، وعلى ما تيسر لي من دواوين الشعراء ومجاميع الشعر ، حتى استقام لي نص صحيح أو قريب من الصحة ، ثم قدمته للنشر في هذه الضائقة التي غلت فيها أسعار الورق ، وشح وجود الجيد منه ، وتهافت الناس فيها على نشر دوريات قليلة الغناء ، فازدحمت بها دور الطباعة ، وأعوز الأدباء أن يجدوا لنتائج قرائحهم مكانا في هذا الميدان . وهذه المطبوعة من هذا الكتاب - فيما نعتقد - خير ما يقرأ المتأدبون من نسخ الكتاب ، أصلحنا فيها الكثير مما فشا في سابقيتها من الأغاليط ، وكانت طريقنا أن نستبقي النص كما هو في أصول الكتاب ما وجدنا له محملا من الصحة ، فإن لم نجد له ذلك ووجدناه في ديوان من دواوين الشعر على وجه آخر صحيح غيرناه إليه ، وبينا ذلك في أسفل صفحات الكتاب أحيانا ، فإن لم نعثر على النص في كتاب آخر وظهر لنا فيه وجه صحيح غيرناه إليه والتزمنا في هذه الحال أن نبين عملنا في أسفل صحف الكتاب ، وإن لم نعثر على النص في كتاب آخر ولم يستقم لنا فيه وجه صحيح ، أشرنا إلى أنه لم يبن لنا فيه وجه يوثق به ، واللّه وحده الذي يعلم كم قاسينا في هذه السبيل من جهد ، وعنده وحده جزاء ذلك كله ، إنه لا يجزي على الخير سواه ، ولا يعرف خفيات الأمور غيره .