ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

59

الوشى المرقوم في حل المنظوم

واستولى الملك العادل على مصر ، وخلف لابن أخيه الملك الأفضل على بلاد بأرض الجزيرة ، ثم نكث به . وهذا أول الكتاب بعد البسملة : ندمت على أمر مضى لم يشر به * نصيح ، ولم يجمع قواه نظام ربّ وثوق يقود إلى الندم ، وتودد يدعو إلى التهم ، وقد يدل الحلم على صاحبه ، ويطمع في جانبه . ولولا ذلك لما استلين عودي فعجم ، واستضعف ركنى فهدم . ولا أشكوه إلا إلى عمى وصنو أبى الذي نفره نفرى ، وهو الذي قلب فواقى على وترى ، وعلّمنى التظلّم من الأيام ، وأراني ضوء النهار بعين الإظلام . ولقد أضاع في أحسابه ، وخالف في قطع رحمي سنة اللّه وكتابه ، وجعل أيامى منه كيوم البعث الذي يتناكر الناس في أنسابه وأسبابه . . . » « 1 » . فهذه الرسالة ترصد بكل دقة وصدق ؛ الحال التي وصل إليها الأفضل نور الدين بعد أن انتزع عمه منه ملك دمشق أولا ، ثم ملك مصر ، وها هو ذا ينتزع منه ملك البلاد الفراتية ، وهذا النص هو أصدق تعبير عما يجيش بصدر الأفضل ووزيره الضياء بن الأثير ، فكلاهما رزئ بمستقبله ؛ الأفضل رزئ بضياع ملكه ، وابن الأثير رزئ بضياع طموحه ، وما كان يأمل في أن يصل إليه في دولة الابن الأكبر للسلطان صلاح الدين الأيوبي . لهذا كانت حدّة القلم واضحة ، ومن هنا أيضا كان ينبع بغض العادل لابن الأثير . الأمر أكبر من ابن الأثير إذا نظرنا إلى التناول التاريخي بعين أخرى محايدة غير تلك التي كتبت تاريخ هذه الفترة . لأن - ويا للأسف - بعض المؤرخين ، حتى في عصرنا الحالي ، يكتبون تاريخنا تحت تأثير الهوى الشخصي . وقلّة أولئك الذين يرصدون تاريخ الشعوب والدول بدقة . المهم أن ابن الأثير اتهم بخيانة الأمانة وهروبه ، ومعه أموال دمشق وأعمالها التي اختزنها لمدة ثلاث سنوات . والمعلوم أن الذي تولى أمر تهريبه داخل صندوق هو الأفضل ، وأقر أنه أخذ جميع مال دمشق مبرئا ساحة ابن الأثير .

--> ( 1 ) نشرة هلال ناجى الرسالة رقم 12 ، 2 / 99 وما بعدها .