ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

58

الوشى المرقوم في حل المنظوم

كان ذلك في سنة 590 ه ، ويبدو أن هذا الصلح كان إعادة لتقسيم مناطق النفوذ تحت أيديهم ، ولم يكن ابن الأثير إلا قطرة في بحر ، ولا قبل له بهذا الصراع بينهم . وإن كنا نلحظ أن شخصيته وسلوكه يميل إلى الوفاء لمخدومه « 1 » ، مع قناعة أنه هو الأولى بخلافة والده في ملكه لذلك كان حاد القلم مع الملك العادل ؛ لأنه يكاد يعلم ، ومن خلال تلك الفترة التي عاش فيها بين بنى أيوب في حياة صلاح الدين ، ما تضمره نفسه . وقد وجدت بين رسائل ابن الأثير نصين يؤكدان شدة قلمه في حق الملك العادل . صدر أولها بقوله : « كتاب كتبه عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى الديوان العزيز النبوي عند الخروج من حلب ، وقصد دمشق والنزول على حصارها في شوال سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، وكانت مصر أجدبت ، وهلك أهلها مذ دخلها الملك العادل أبو بكر بن أيوب ، واختلف الناس عليه بسبب سوء صنيعه إليهم ، ومالوا عنه إلى الملك الأفضل ، وهذا الكتاب لم يسيّر إلى الديوان العزيز لأن الفتح لم يتسهّل . . . » « 2 » . تتضح من خلال هذا الكتاب لغة ابن الأثير ، وما كان يضمره مخدومه تجاه عمه ، فهو لم يكن إلا ترجمانا لما يجيش به صدر الأفضل . وأما الكتاب الآخر فقد صدره بقوله : « كتاب آخر ثالث كتبه عن الملك الأفضل إلى عمه الملك العادل ، وضمنه شرح حاله مع عمه . وذاك أنه لما توفى والده المولى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه اللّه تعالى . ألقى بيده إلى عمه المشار إليه الملك العادل دون جميع إخوته ، وبذل جهده في الإحسان إليه بنفسه وماله وعساكره ، فكان ثمرة ذلك أنه خدعه ، وانتزع دمشق منه ، ثم قدر اللّه تعالى بعد ذلك موت السلطان العزيز عثمان ابن الملك الناصر صلاح الدين صاحب مصر ، وملكها الأفضل أخوه من بعده ، فجمع العساكر ، وخرج إلى الشام ؛ فحصر عمه الملك العادل بمدينة دمشق مدة طويلة ، ثم انقلب الأمر عليه ،

--> ( 1 ) راجع رسالته إلى مجاهد الدين وفاء له . نشرة القيسي - ناجى 1 / 63 وما بعدها . ( 2 ) نشرة القيسي - ناجى الرسالة رقم 46 ، 1 / 125 و 126 .