ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

48

الوشى المرقوم في حل المنظوم

عدة ممالك ، وملأت الأطماع نفوس أبناء البيت الأيوبي ، وأصبح ما تحت يدي كل منهم هو مملكته التي ورثها عن الناصر « 1 » . كان هذا التفكك بداية انشقاق كبير أصاب البيت الأيوبي بعد وفاة صلاح الدين الذي استشرف صورته في حياته يقول : « القاضي بهاء الدين ابن شداد قال لي السلطان في بعض محاوراته في عقد الصلح : أخاف أن أصالح وما أدرى أيش يكون منى فيقوى هذا العدو ، وقد بقيت لهم بلاد فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين وترى كل واحد من هؤلاء يعنى أخاه وأولاده قد قعد في رأس تله يعنى قلعته ويقول لا أنزل ويهلك المسلمون ! قال ابن شداد فكان واللّه كما قال ؛ اختلفوا واشتغل كل واحد بناحيته ، وبعد فكان الصلح مصلحة . قلت : من لطف اللّه لما تنازع بنو أيوب واختلفوا يسر اللّه بنقص همة الأعداء وزالت تلك الشهامة منهم » « 2 » . تملّك الأفضل دمشق بعد أبيه . ووكّل أمور دولته إلى الضياء بن الأثير . وفي هذا يقول الضياء بعد أن ابتسمت له الدنيا ، وأصبح صاحب ديوان الإنشاء في مملكة الأفضل في رسالته تلك التي كتبها عن نفسه إلى مجاهد الدين قايماز الزيني زعيم الموصل : « . . . وليس الأسى والحمد لله على دنيا كنت أستفيدها ، بل على أيام ذهبت ولا أجد من يعيدها . والآن فقد أحمدت الرحلة ، وشكرت النقلة ، وحللت أرضا أضاءت آفاقها ، واتسعت أرزاقها . يتهلل بها وجه الزمن العبوس ، وتذكّر بأيام الجنة في جمع الشهوات للنفوس . فاستعذبتها موردا ومجنى ، واتخذت بها رغد العيش ذخيرة ليس تفنى . ويزين ذلك أنى في خدمة ملك اخذ من ماله ومن أدبه ، وأدلّ عليه إدلال المرء على ذوى نسبه ، فخلقه يعدى أخلاق صحبه . ويغمر أجاجهنّ بعذبه . فأنا في إنعامه في روضة وغدير ، ومن إكرامه على أريكة وسرير ، ومن لين جنبه في جنة وحرير ، ولما اتصلت بخدمته صفحت على إساءة الزمان بحسنى أيامها ، وأنارت لي الليالي وكانت أعدت الأيام بإظلامها ، فلا أرضى بها

--> ( 1 ) راجع الكامل 10 / 225 و 226 . والروضتين في أخبار الدولتين 4 / 405 و 406 . ( 2 ) سير أعلام النبلاء 21 / 289 .