ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

406

الوشى المرقوم في حل المنظوم

منها ، وقد اختار لذلك النماذج التي تمثل - يمكن القول - ذروة الإبداع في رسائله السلطانية أو الإخوانية ، أو غير ذلك من أنواع الكتابة . يعتبر هذا الكتاب إحدى الحلقات الجوهرية في تاريخ الأدب العربي لتعلم الكتابة ، وهو « على وجازته عظيم الإفادة « على حد قول ابن خلكان في وفياته ، كما أنه يعتبر صورة حية ، تتجسد من خلاله شخصية ابن الأثير التي يعتد فيها بذاته إلى درجة جعلت واصفيه يتهمونه بالغرور ، عكس ما نجد في رسائله التي تبين أنه شخص محب للآخرين ، متواضع في موضع التواضع ، متعال في الموضع الذي يستدعى ذلك . الأهم من ذلك أنه يرصد ثقافة عصر ؛ اتسم بالموسوعية ، فهو يحفظ القرآن الكريم ، والأخبار النبوية - لأنه ينظر إلى هذا المصطلح على أنه بلغة المناطقة يستغرق الأحاديث النبوية ، فهو أعم منها - الصحيح منها وغير الصحيح استكثارا من المعاني ، كما لا يقتصر حفظه على دواوين فحول الشعراء فقط ، بل - ومن خلال الكتاب أيضا - يحفظ أشعارا كثيرة ، خاصة الأبيات المشهورة ، والأمثال السائرة ، وتواريخ الأمم السابقة ، والاطلاع على دياناتها ، إلى غير ذلك مما يؤكد هو على من يريدون اتخاذ الكتابة مهنة أن يحفظوه . كذلك يرصد الكتاب إلى أي مدى تصل ثقافة ابن الأثير به إلى أن يصدر أحكاما وآراء نقدية تستحق الرصد ، منها : تقييمه لكل من أبى تمام والبحتري والمتنبي في عبارة موجزة وهي أنه « لم يشتمل شعر أحد من الشعراء المفلقين : قديما ، وحديثا على المعاني التي اشتمل عليها شعر أبى تمام ، وأبى الطيب المتنبي ؛ فإنهما غواصا المعاني . وأما الألفاظ في سبكها وديباجتها فلم أجد أحدا يسامى أبا عبادة البحتري فيها » . ويؤكد أن استخدام السجع لا بدّ أن يرتبط بالطبع ، أي « أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموه على باطن مشوه » . ويذهب ابن الأثير إلى أنه لا فضل للأول على الآخر ، إذا كان هذا التفضيل