ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

407

الوشى المرقوم في حل المنظوم

مبينا على السبق الزمنى فقط ، وذلك لأن « المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني ؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحة الطبع ، وجودة السبك « - حسب تعبير الجاحظ - وهو بهذا ينتصر للفظ على المعنى مؤكدا أن « الفضيلة إنما تقع في سبك الألفاظ ، وإبرازها في حلية رائقة » . ومن موقعه وزيرا للإنشاء لدى الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين الأيوبي ؛ فيما يختص بقضية الترجمة يرى أن « نقل الكلام من لغة إلى لغة يسهل بسبب أن ألفاظ هذه غير ألفاظ هذه » ، وإن كنت أعتقد أن هذا القول يعنى به المراسلات بين الدول . وإذا كان كتاب « الوشى المرقوم » يدور موضوعه كله - تقريبا - حول مصطلح التضمين ؛ يستوى في ذلك التضمين اللفظي ، أو تضمين المعنى ، فإن ابن الأثير يسبق عصره في التنبؤ بما سيدور عليه مصطلح « التناص » اليوم ، فكأنه كان يحدس به حينما قال : « فلما أردت أن اخذ هذا المعنى ورّيت في أخذه عن الطريق المعهودة ؛ فمثلته بمثال ملائم وهو مقابلة المرآة للصورة . . . ثم أتبعت ذلك بما ينسحب على أثره من معان أخر . وخرجت فيها إلى معرض العتاب آخرا . وهكذا ينبغي أن تؤخذ المعاني على حكم الاختلاس ، لا على حكم الافتراس . وعلى سبيل المساترة ، لا على سبيل المجاهرة » . ويثير ابن الأثير قضية ؛ سبق أن أثارها غيره من الكتاب الذين ينتصرون للنثر على النظم ممثلا في الشعر ، وهو يسير في هذه المسألة على نهج وصفائه السابقين ، ذاهبا إلى أن تقدم النثر والناثرين - وإن كنا نختلف معه في هذا الأمر - ينبع من صعوبة النثر الذي نزل عليه القرآن الكريم ، وسهولة النظم ، حتى إنك « إذا عددت منهم مائة شاعر لا يمكنك أن تعد خطيبا واحدا » . ويخلص البحث إلى أن ابن الأثير - الذي يؤكد في أكثر من موضع من كتابه أنه لم يحفظ الكتابات النثرية لسابقيه حتى لا يعلق بخاطره شيء منها ، ولأن الأخذ من