ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
17
الوشى المرقوم في حل المنظوم
المجدودين ، ويخرج عن جملة المحدودين فالعلماء مغمورون وبكرة الجهل مقموعون ، حين خوى نجم الخير ، وكسدت سوق البر ببضائع أهله ، وصار العلم عارا على صاحبه ، والفضل نقصا ، وأموال الملوك وقفا على شهوات النفوس ، والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق ، واضت المروات في زخارف النّجد وتشييد البنيان ولذات النفوس في اصطفاق المزاهر ومعاطاة الندمان » « 1 » . ولأن هذه الحال الفاسدة لم تكن مقصورة على الأزمان الغابرة التي - رغم هذه الأقوال - كانت فيها الكتابة زاهرة ، بل إن الكتابة أصبحت أسوأ حالا من ذي قبل ؛ فإن الكتّاب أخذوا على عواتقهم تبيين الأمور التي يجب عليهم معرفتها حتى يسلس لهم قياد الكتابة . نجد ذلك واضحا في رسالة عبد الحميد الكاتب إلى كتّاب عصره ، مؤكدا أن « الكاتب يحتاج من نفسه ، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره ، إلى أن يكون حليما في موضع الحلم ، فقيها في موضع الحكم ، مقداما في موضع الإقدام ، ومحجما في موضع الإحجام ، لينا في موضع اللين ، شديدا في موضع الشدة . . . ويهيئ لكل امر أهبته ، فنافسوا معشر الكتّاب في صنوف العلم والأدب ، وتفقهوا في الدين وابدءوا بعلم كتاب اللّه عز وجل ، والفرائض ، ثم العربية . . . « 2 » . ولأن ضياء الدين بن الأثير يجعل مهمة تعليم من بعده هذه الصناعة مقترنة بصحيح الدين ؛ فهو يدل هؤلاء المتعلمين على أفضل الطرق التي تجعلهم يجيدونها واصفا لهم إياها ، ومختصرا لهم مسافات في سبيلها ، وهي حفظ القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ، ليس الصحيح منها فحسب ، « بل يحفظ الصحيح ، وغير الصحيح طلبا للاستكثار من المعاني التي تقتضيها الحوادث الطارئة ، والوقائع المتجددة » ، ثم يحفظ أشعار فحول الشعراء ، والأمثال السائرة .
--> ( 1 ) السابق / 1 و 2 . ( 2 ) الوزراء والكتاب / 74 و 75 . وراجع أدب الكاتب لابن قتيبة / 9 وما بعدها . والصناعتين لأبى هلال العسكري / 146 وما بعدها .