ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
405
الوشى المرقوم في حل المنظوم
خاتمة أدب الكاتب من الأمور التي شغلت كثيرين من كتابنا العظام قديما وحديثا ، ولم تكن هذه المسألة ناتجة عن فراغ ؛ وإنما كانت ناشئة عن الأهمية والمكانة التي ارتقى إليها الكتاب من خلال قربهم الشديد من ولاة الأمور . لقد تسنم ذروة الكتابة كاتبون ذوو شأن في تاريخ الأدب العربي ، وقد أخذ بعضهم على عاتقه مهمة تعليم من بعدهم - ممن « حصلت لهم الموهبة » على حد تعبير ابن الأثير - صناعة الكتابة ، أو توضيح طرائقها التي ينبغي على ممتهنيها أن يسلكوها ، يأتي في مقدمة هؤلاء أديب العربية الأكبر عمرو بن بحر الجاحظ ( - 255 ه ) في كتابيه « البيان والتبيين » و « الحيوان » ، وابن قتيبة الدّينورى ( 213 - 276 ه ) الذي يمثل الحلقة الأولى في تأليف الكتب المتخصصة في هذا الشأن ، بكتابه « أدب الكاتب » ، وإن كان ابن أبي طاهر طيفور ( 204 - 280 ه ) يعتبر أول من أرسى مبدأ الاختيارات النثرية جنبا إلى جنب بجوار الشعر في كتابه « المنظوم والمنثور » . وقد كان ابن طباطبا العلوي ( - 322 ه ) أول من أكد أن « الشعر رسائل معقودة ، والرسائل شعر محلول » ، وهو بهذا قرب المسافة بين الشعر والنثر إلى حد لم تكن قد وصلت إليه من قبل ، كذلك يعتبر كتاب « الصناعتين » لأبى هلال العسكري ( - 395 ه ) أول كتاب تعليمي يأخذ على عاتقه الإكثار من الأمثلة التي تسهل على الدارسين ارتياد صناعة الكتابة . ومن بين الذين خصصوا أحد مؤلفاتهم لهذا الموضوع أبو منصور الثعالبي ( 350 - 429 ه ) في كتابه « نثر النظم وحل العقد » . ومن هنا لم يكن ضياء الدين بن الأثير بدعا عن أولئك الذين سبقوه في تمهيد الطريق لمن يأتي بعده ، فألف كتابه « الوشى المرقوم في حل المنظوم » ؛ ليبين الطريقة المثلى التي يجب أن يكون عليها من يتخذ الكتابة صناعة وحرفة يتعيش