ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

133

الوشى المرقوم في حل المنظوم

وتأتى أهمية الكتاب أيضا في أنه دليل حىّ على أن حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية والأشعار هي خير وسيلة للحفاظ على لغة القرآن التي - ويا للأسف - تضيع الآن بين أيدينا من خلال ادّعاء المدّعين بأن مناهج التعليم مبنية على الحفظ ، وهي قضية خطيرة يجب ألا تترك على عواهنها . فلو لم يحفظ الطفل في سنه الباكرة ما تيسر من القرآن الكريم والأحاديث النبوية والأشعار ؛ فمن أين له امتلاك لغة القرآن ؟ . وتأتى أهمية هذا الكتاب أيضا من أنه ترجمة فعلية لثقافة العصر الذي وجد فيه ابن الأثير ؛ إذ أنه قد « شاعت ظاهرة حل المنظوم في هذا العصر ، وقد كانت شائعة قبل ذلك أيضا » « 1 » . وإذا كان أبو هلال العسكري قد خصص كتابه « لمن استكمل الآلات كلها ، وبقي عليه المعرفة بصنعة الكلام ، وهي أصعبها وأشدها » « 2 » ، وأجمل في سطور قليلة ما يحتاجه الكاتب لكي يكون كاتبا ، وذلك في ما أورده على لسان المبرد في قوله عن نفسه : « فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس لا يخفى علىّ مشتبه من الشعر والنحو والكلام المنثور والخطب والرسائل ؛ ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة ، أو التماس حاجة ؛ فأجعل المعنى الذي أقصده نصب عيني ؛ ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان » « 3 » . فإن أهمية الوشى المرقوم تنبع من أنه يوضح في سهولة ويسر الأدوات التي ينبغي توافرها لمن يريد أن يتخذ من الكتابة مهنة ، بل وزيادة على ذلك ؛ أن ابن الأثير يأتي بنماذج عالية من نثره الذي كتبه في مواضع وأزمان عديدة على امتداد عمره الطويل ، لتكون بين يدي من يريد أن يدخل في هذا

--> ( 1 ) بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية ( 492 - 648 ه ) ص 372 ، د . عبد الجليل حسن عبد المهدى ، كلية الآداب - الجامعة الأردنية ، دار البشير للنشر والتوزيع 1409 ه - 1989 م . ( 2 ) الصناعتين لأبى هلال العسكري ص 147 ، علق عليه وفسّر غريب ألفاظه محمد أمين الخانجي ، ط 2 ، مطبوعات محمد على صبيح بالأزهر الشريف . بدون تاريخ طبع . ( 3 ) السابق الصفحة نفسها .