ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
121
الوشى المرقوم في حل المنظوم
مضيفا أن : « الذي بعثني على الإكباب على حفظ الشعر ؛ دون الخطب والرسائل ؛ أنى إذا أخذت معنى من معاني الشعر وأودعته رسائلي كنت قد نقلت من ضد إلى ضد ، وهو أخفى وأستر . ولو فعلت ذلك في الكلام المنثور لكان نقل مثل إلى مثل ، وذلك أشهر وأظهر ، فباعثى إذا على حفظ الأشعار دون الكلام المنثور كثرة الشعر واستغراقه للمعاني ولأن الأخذ منه أستر وأخفى » « 1 » . إن ابن الأثير يشدد لما سبق على حفظ الأشعار دون النثر ، والثابت لدينا غير ذلك ، إذ أنه لا شك حفظ ، أو قرأ باهتمام كتابات ناثرين آخرين غير أولئك الذين ذكّر بأنه لم يحفظ كتاباتهم كي لا يعلق بخاطره شيء من ألفاظهم أو معانيهم . يتضح ذلك من قوله : « ولربما كلم السوار يدا ؛ فذهب فخر زينتها بألم كلمها « الذي نجد أصلا له عند ابن زيدون ( 394 - 463 ه ) ، وذلك في رسالته الجدية التي خاطب بها ابن جهور من موضع اعتقاله في قوله : « وإني لأتجلد ، وأرى الشامتين أنى لريب الدهر لا أتضعضع ، فأقول : هل أنا إلا يد أدماها سوارها » « 2 » . ليس هذا فحسب الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه قرأ وبعناية واهتمام شديدين كتابات المتقدمين - وإن كانوا من غير الكتّاب المشارقة - يتضح ذلك جليا في نظره للمصارعة التي أدارها ابن زيدون بين النثر والنظم في رسالته التي كتبها لابن الأفطس الحاجب ، التي يقول فيها : « ولما اطّرد هذا النثر لحسن اتّساقه ، ولذ مساقه ، هزت النظم أريحية جذب لها بعنانه ، وعارضه في ميدانه ، وأبت أن ينفرد النثر بلقاء الحاجب ومشافهته . . . « 3 » » . وذلك حينما يقول في رسالته إلى الديوان العزيز النبوي ببغداد : « إذا أنشأ الخادم كتابا إلى الأبواب الشريفة تحاسدت على الاختصاص به ضروب المعاني ،
--> ( 1 ) انظر ص 173 و 174 . ( 2 ) ديوان ابن زيدون ، معه رسائله وأخباره ، شرح وتحقيق محمد سيد كيلانى ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر / ص 226 و 227 . وفي الأدب الأندلسي ، د . جودت الركابى ، دار المعارف / 267 ، 1980 . ( 3 ) السابق / 262 .