ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

118

الوشى المرقوم في حل المنظوم

منقسمة بين الطرفين : الشعر والنثر ؛ فلم زادت القرائح التي تحسن الشعر على القرائح التي تحسن النثر ؟ ، وبعبارة أوجز : لم كثر الشعراء وقل الناثرون « 1 » ؟ . حتى إنك « إذا عددت منهم مائة شاعر لا يمكنك أن تعد خطيبا واحدا » « 2 » . يوضح الصابى سبب هذا الأمر ، ذاهبا إلى أن « اعتماد الشاعر إخراج بيت في أثر بيت على نسق يقوم فيه الوزن والقافية مقام السائق والقائد ، يعنى أنه يلجأ إلى الحذو على مثال أو الإفراغ في قالب ، لكن الكاتب يصوغ رسالته متحدة متجمعة ويضمها من أقطار متراخية متسعة ، وربما أسهب حتى تكون رسالته في طول عدة قصائد مع تعمد الألفاظ الفخمة ، لأن الرسائل صادرة في الأغلب عن السلطان ، فهذا كله يجعل القادرين على إجادة الترسل قلة » « 3 » . بل إن الضياء بن الأثير يذهب إلى أن كثرة الشعر تطغى على النثر لدرجة أن النثر يمثل نقطة متلألئة في محيط الشعر ؛ لأنه « أكثر من الكلام المنثور بأضعاف مضاعفة . وليس نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة قليل إلى كثير ، فضلا عن نسبة كثير إلى كثير . بل هو بالنسبة إليه كالرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير » « 4 » . ومع هذا الكلام ؛ فإن د . إحسان عباس يذكّر بأن الصابى نسي « ما قاله من قبل وهو أن الشعر قائم على الابتداع ، وهذا يحتم أن يكون الشعر أصعب من حيث التأليف من النثر ، لأن الابتداع يعنى إنشاء مبتكرا ، وأن الجرى على القالب ، إنما هو إيقاع ظاهري ، لا يقلل من صعوبة الابتداع بل ربما زاد فيها » « 5 » . إن ابن الأثير يذهب إلى ما ذهب إليه أبو إسحاق الصابى الذي « قضى بأن الناثرين أهم من الشعراء ، لأنه رأى الكاتب من خلال منصبه ، بينما لا منصب للشاعر - رأى أهمية الكاتب في بناء الدولة ، ولم ير الشاعر إلا مفردا ، وشعره لا يخدم الدولة ، وإنما يخدم الشاعر » « 6 » .

--> ( 1 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب / 231 . ( 2 ) انظر ص 173 ، والمثل السائر / 2 / 393 وما بعدها . ( 3 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب / 231 . ( 4 ) انظر ص 173 . ( 5 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب / 232 . ( 6 ) السابق الصفحة نفسها .