ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
تقديم 13
الوشى المرقوم في حل المنظوم
ولا يلبث ابن طباطبا أن يعقد الصلة بين أخذ المعنى من النثر والسرقة الحسنة ، فالاخذ لمعاني سابقيه « إن وجد المعنى اللطيف في المنثور من الكلام أو في الخطب والرسائل فتناوله وجعله شعرا كان أخفى وأحسن » وقد شبّه هذا العمل بعمل الصائغ الذي يذيب الذهب والفضة المصوغين فيعيد صياغتهما بأحسن مما كانا عليه ، ثم قال : إن « الشعر رسائل معقودة ، والرسائل شعر محلول » [ عيار الشعر 78 ] . ويفتح الحاتمي - ضمن فصله في السرقات - بابا في ( نظم المنثور ) ويقول إن : « من الشعراء المطبوعين طائفة تخفى السّرق وتلبسه اعتمادا على منثور الكلام دون منظومه ، واستراقا للألفاظ الموجزة والفقر الشريفة والمواعظ الواقعة ، والخطب البارعة » [ حلية المحاضرة 2 / 92 ] . وصرح العسكري بأن « أحد أسباب إخفاء السّرق أن يأخذ الأديب معنى من نظم فيورده في نثر ، أو من نثر فيورده في نظم » [ الصناعتين 204 ] ورأى أن هذه العملية أي الانتقال بين النثر والنظم - أصعب من الانتقال بين فن نثرى وآخر ، كالانتقال بين الرسائل والخطب ، « فالرسالة تجعل خطبة ، والخطبة تجعل رسالة في أيسر كلفة ، ولا يتهيأ مثل ذلك في الشعر من سرعة قلبه وإحالته إلى الرسائل إلا بكلفة ، وكذلك الرسالة والخطبة لا يجعلان شعرا إلا بمشقة » [ الصناعتين 142 ] . ذلك نفسه ما ذهب إليه القاضي الجرجاني ت 392 ه ، وعنده أن « الشاعر الحاذق إذا علق المعنى المختلس عدل به عن نوعه وصنفه ، وعن وزنه ونظمه وعن رويّه وقافيته » [ الوساطة 204 ] . ويبدو أن حديثه هنا منصب على الانتقال في إطار الشعر بين الأوزان والقوافي المختلفة ، ولكنه يلتفت في بعض المواضع إلى عملية أخذ المعاني من النثر وصوغها شعرا ، وإن كان أوضح الأمثلة عنده هي الأخذ من القرآن والحديث والحكم المأثورة [ الوساطة 347 ، 364 ، 310 ، 378 ] . أما ابن وكيع التّنيسى ت 393 ه فيكاد - في بعض تصريحاته - يحصر فضيلة المتأخرين وميدان تفوقهم في نظم المنثور ، هذا على الرغم من قبوله لعشرة